"نصري سعد الله. ... رباح"
عيسى عبد الحفيظ
شاهد على بدايات الثورة، ليس في مرحلة الإرهاصات في الخمسينيات، لكنه شكل البداية المسلحة للثورة الفلسطينية التي فجرتها حركة فتح في اليوم الأول من الشهر الأول عام 1965.
تخلى نصري عن اسمه الحقيقي وحمل اسمه الحركي "رباح" الذي سيعرف به لاحقاً. التحق بالدورة العسكرية الأولى في معسكر الهامة في ريف دمشق، أين تلقى تدريبه العسكري الأول، والإرشاد السياسي والتعبئة التنظيمية.
كان من الرواد القلائل الذي دخلوا السجن وهو يتمتع بكفاءة تنظيمه، وخبرة عسكرية ووعي سياسي استفاد منه إخوته المعتقلون في زنازين الاحتلال.
عندما التحق نصري بحركة فتح، كانت عيناه ترنوان إلى الشاطئ الفلسطيني المحتل، ولم تكن (عرابة) قد سقطت تحت براثن الاحتلال بعد. حمل السلاح مبكراً كتعبير عن رفضه للاحتلال من الأساس، وحق ابناء شعبه في العودة إلى وطنهم السليب فلسطين.
فور النكسة، وسقوط جنين وعرابة عام 1967، انتقل رباح إلى الداخل بمهمة تنظيمية عسكرية. وكان من الطبيعي أن يختار جنين مسقط الرأس مسرحاً لعملياته وأنشطته العسكرية مع أفراد مجموعته الذي شاركوه همومه الوطنية، وتوقه للتحرر من الاحتلال وتحرير وطنه السليب.
جاب منطقة جنين بكاملها ليقرر مواقع القواعد السرية للشباب، مركزاً على قباطية التي تحولت إلى مركز مهم للمجموعات الفدائية المقاتلة.
نظراً لكثافة اتصالاته وكثرة تحركاته من مكان للآخر، ونشاطه الواسع الذي امتد على طول وعرض منطقة جنين، تمكن الاحتلال من اعتقاله وحكم عليه بالسجن خمسة وأربعون عاما وبذلك فقد كان من اوائل المدشنين لسجن عسقلان الرهيب، عند افتتاحه عام 1969.
كان نصري قد عقد خطوبته على فتاة من بلدة عرابة، ولم يرغب أن يعذبها معه فقرر فك ارتباطه بها، ولكنها رفضت بشكل مطلق كل جهوده لإقناعها بذلك، وبقيت على العهد الذي ارتبطت به وسجلت اسطورة في الوفاء وبقيت تنتظره حتى خرج في صفقة التبادل عام 1985!! وبعد ثمانية عشر عاماً بالتمام والكمال لتقترن به في الأردن.
بحضور أبو علي شاهين إلى السجن، استطاع أن يوحد الجميع تحت راية واحدة وهدف واحد يتمثل قبل كل شيء بعدم الانكسار أمام السجان، والمحافظة على وحدة الأسرى أمام بطش الاعتقال، والتعذيب الجسدي، والانكسار النفسي، وتعزيز روح المقاومة والصمود.
تميز نصري بموقف حدي جداً مع الطرفين: إدارة السجن والتنظيمات الاخرى، لذا اكتسب عداوات كثيرة. وعندها فشلت إدارة السجن في تحطيمه أوعزت للبعض أن يشن عليه حملة دعائية، وإشاعات لا أساس لها من الصحة وثبت بطلانها بالكامل عندما استطاع الشباب ان ينتزعوا الاعتراف من بعض ممن تناقلوا وروجوا الإشاعات حول نصري والتي كانت في حال ثبوتها مدمرة لسمعته بالكامل.
كان نصري اكبر من ذلك، وشكل بقيمه التنظيمية والأخلاقية والوطنية مدرسة متكاملة لم تنجح كل محاولات الاحتلال في النيل منها. أسلوب إدارة السجون الإسرائيلي معروف، فعندما يفشلون في تحطيم المناضل، يطلقون عبر بعض الذي يسعون لنيل رضى السجان من أجل سيجارة أو أي شيء سخيف آخر، لإطلاق التهم الجزافية وزرع التشكيك في هذا أو ذلك، وهذا الأسلوب أخطر من كافة الأساليب القمعية هنا برز دور القائد الشهيد أبو علي شاهين في التنبه لهذا الأسلوب، بل ووضع خطة تنظيمية لإفشاله وهذا ما حدث.
واستطاع أن يلم شمل كل الأسرى ليقفوا جميعا وبغض النظر عن انتماءاتهم التنظيمية جداراً سميكاً أمام إدارة المسجون تنكسر عليه كل محاولاتهم للتفرقة وزرع بذور الشقاق والاختلاف.
فلسطين تجمع والثورة تصهر كل ذلك في بوتقة واحدة هي وحدة المصير ووحدة الهدف.
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل