وجه الإرهاب القبيح
د. أسامة الفرا
أطفأت فرنسا أنوار برج إيفل حداداً على أرواح ضحاياها الذين سقطوا في الهجمات الارهابية التي ضربت عاصمة النور، الظلام الذي سكن العاصمة على حين غرة لم تبدده مشاركة الآلاف من الفرنسيين في اشعال الشموع في الميادين العامة، لم يكن الظلام وحده هو المخيم على شارع "الشانزلزيه" الأشهر في العالم بل شاركه الحزن في ذلك، لم تتأخر دول العالم في تضامنها مع فرنسا، التضامن جاء عبر عبارات الادانة والاستنكار من قبل قادة العالم للهجمات الارهابية التي ضربت العاصمة الفرنسية بقوة.
ابدت دول العالم تعاطفها مع الشعب الفرنسي، وأخذ التضامن اشكالاً وأنماطاً مختلفة، وإن تقاطع تضامن العديد منها بإنارة المعالم الأكثر شهرة لديها بألوان العلم الفرنسي، بدءاً من "الامباير ستيت" المعلم الشهير في نيويورك مروراً بملعب "ويمبلي" في العاصمة اللندنية وبرج اللؤلؤة في شنغهاي وبرج خليفة في دبي وأهرامات الجيزة في العاصمة المصرية وصولاً إلى دار الأوبرا في العاصمة الاسترالية "سيدني"، من البديهي أن يتضامن العالم مع فرنسا، ومن الطبيعي أيضاً أن تعبر دول العالم عن حاجتها إلى التعاون لمواجهة الإرهاب الذي أطل في السنوات الأخيره بوجهه القبيح في العديد من الدول، لكن غير الطبيعي هو صمت العالم حيال الارهاب الذي راح ضحيته عشرات الآلاف في منطقة الشرق الأوسط خلال السنوات القليلة السابقة.
قبل ساعات من الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها فرنسا ضرب الإرهاب ذاته الضاحية الجنوبية في العاصمة اللبنانية "بيروت"، جاء تنديد القليل من العالم على استحياء، كأن بيروت ليست جزءاً من العالم الحر الذي ينشد الأمن والأمان لمواطنيه، وعلى مدار سنوات عدة حصد الإرهاب في منطقة الشرق الأوسط عشرات الآلاف من الضحايا، وقف خلالها العالم موقف المتفرج كأن حاله يحاكي المثل الشعبي "لحم كلاب في ملوخية"، رغم أن الكثير من المعطيات تشير إلى تورط الغرب الديمقراطي في رعاية واحتضان التطرف في المنطقة العربية، نعم نحن العرب من اكتوينا أولاً وما زلنا بنار الارهاب، الإرهاب الذي ولد من رحم الفوضى الخلاقة التي لطالما دعت إليها اميركا دون خجل أو وجل.
والأهم ولعل هذا ما يعنينا بالمقام الأول أن العالم الحر الذي يدعي دفاعه عن حقوق الإنسان ظل صامتاً على مدار عقود عدة تجاه إرهاب الدولة الذي تمارسه اسرائيل بحق الشعب الفلسطيني، بل إنه في كثير من الأحيان أشعل الضوء الأخضر أمامها لتزيد من وتيرة ارهابها بحق المدنيين الآمنين من الشعب الفلسطيني، وهو ذات العالم الذي لم يفكر قط في وضع عصابات المستوطنين على قائمة الإرهاب رغم الإرهاب الممنهج الذي يمارسونه ليلاً ونهاراً تحت سمع وبصر العالم بأسره، لا يمكن لنا أن نتفهم ازدواجية معايير الإرهاب التي ما زال الغرب يضعها.
الواضح أن العالم ما زال يغض بصره عن حقيقة باتت ماثلة أمام الجميع، أن غياب حل للقضية الفلسطينية يولد مزيداً من التطرف، لا سيما أن كثيراً من التطرف في المنطقة العربية يتكئ على الظلم الواقع على الشعب الفلسطيني، حتى وإن كان ذلك من باب "كلمة حق يراد بها باطل"، إن الشعب الفلسطيني الذي يعاني ويلات ارهاب دولة الاحتلال ولا يستمع من العالم سوى تحميل المسؤولية للضحية أكثر من تحميلها لجلادها، لا يمكن إلا أن يقف متضامناً مع ضحايا الإرهاب أينما طل بوجهه القبيح، إن الشعب الذي يكتوي يومياً بنار إرهاب دولة الاحتلال يدرك أكثر من غيره حجم الحزن الذي يخلفه الإرهاب، وينشد أكثر من غيره لجم الإرهاب وملاحقة مرتكبيه، ولا نرى فرقاً بين من يقف خلف تفجيرات باريس والضاحية ومن اقدم على حرق محمد ابو خضير وعائلة الدوابشة، فجميعهم بذات الوجه القبيح للإرهاب.
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل