عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 17 تشرين الثاني 2015

عالم بلا قيادة يسيطر عليه الإرهاب

بقلم: باسم برهوم

 

على ضوء تحكم الإرهاب بإيقاع السياسة الدولية، فإن العالم يبدو وكأنه جسم ضخم يتهاوى بدون أن يكون له رأس يتحكم به، ويوقفه على رجليه ويمنعه من السقوط. في السابق ومنذ ان أصبح للعالم نظام دولي في نهاية القرن التاسع عشر، يتحكم به ويديره بشكل أو بآخر، نظام له قيادة واضحة قوية بارزة، كان يسهل فهمه والتعاطي مع مجرياته وتحليله.

هذا النظام الدولي أصبح أكثر وضوحاً ونضوجاً بعد الحرب العالمية الأولى في مطلع القرن العشرين، عندما كان المنتصرون في الحرب. بريطانيا العظمى التي لا تغيب عنها الشمس، وإلى جانبها فرنسا يتحكمان بالقرار الدولي كقوى استعمارية، وبالتالي بقرار عصبة الأمم، وهي الهيئة الدولية، التي تشكلت على ضوء ما افرزته الحرب المذكورة من ميزان قوى.

 بعد الحرب العالمية الثانية تغير النظام الدولي شكلاً ومضموناً، فقد أصبح العالم يتقاسم قراره المنتصرون الجدد، الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأمريكية، وبروز معسكرين متناقضين أيديولوجيًا، المعسكر الرأسمالي بقيادة واشنطن والمعسكر الاشتراكي بقيادة موسكو، في تلك المرحلة التي امتدت من عام 1945 وحتى مطلع تسعينيات القرن الماضي كان ايقاع السياسة الدولية منطقياً ومفهوماً ويسهل تحليله في اطار ما عرف في حينه بالحرب الباردة بين المعسكرين، والتي مضمونها منع المواجهة المباشرة عسكرياً بين العملاقين النوويين، وفي المقابل كانت هذه المواجهة هذه المواجهة تخاض بالنيابة، وعبر سباق للتسلح وفي السباق الاقتصادي مرير.

النظام الدولي المشار اليه، ذو القطبين، انتهى مع انهيار الاتحاد السوفياتي ومعسكره الاشتراكي في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، وانفردت الولايات المتحدة بقيادة العالم، وذلك بالتزامن مع بروز ثورة المعلومات والاتصالات في ما بات يعرف بالعولمة العابرة للحدود، والتي حولت العالم إلى قرية صغيرة، تحطمت فيها حدود الدولة القومية وتداخلت خلالها الثقافات.

الولايات المتحدة التي وجدت نفسها منفردة في قيادة العالم كررت الأخطاء ذاتها التي ارتكبتها كافة الامبراطوريات عبر التاريخ، استنزفتها الحروب الامبراطورية في افغانستان والعراق واستنزفتها ازمتها الاقتصادية عام 2008، وبالتالي دخل النظام الدولي في مرحلة جديدة لم يكن خلالها قائد قوى يتحكم بإيقاع السياسة الدولية، ودخلنا في حالة يتنازع خلالها مراكز قوى جديدة واخرى قديمة تتنافس فيما بينها سياسياً واقتصادياً ولكن دون ان يكون لأي منها قدرة على التحكم والتربع على قيادة العالم بشكل واضح.

نحن أمام مشهد لا تزال فيه الولايات المتحدة الأمريكية في قمة النظام الدولي لكنها منهكة، وبلا قيادة قوية تمتلك رؤيا واستراتيجية واضحة، وتزاحمها اقتصادياً الصين، غير مؤهلة بعد للعب دور قيادي في العالم سياسياً لتخلفها التكنولوجي بالقياس للولايات المتحدة وقلة خبرتها الاستعمارية، وهناك روسيا لديها قيادة تمتلك رؤية لكنها متخلفة اقتصادياً و تكنولوجياً، أما اوروبا الحائرة فهي قوة اقتصادياً ولكن ألمانيا التي تقود القارة اليوم لا تزال مكبلة بشروط هزيمتها في الحرب العالمية الثانية ولا تستطيع بناء قوة عسكرية منافسة.

بالإضافة الى ما ذكر، فإن العالم يفتقر الى قيادة على صعيد الدول وعلى صعيد الزعامة والقيادة من الوزن الثقيل، أصحاب المشاريع والرؤى الاستراتيجية الكبيرة، فالرئيس الأمريكي أوباما ضعيف ولا يمتلك استراتيجية طموحة ، على العكس نلاحظ  سياسة الانكماش وعدم التورط بأي دور مكلف في النزاعات الدائرة، أما حكام أوروبا ورؤساؤها هم أشبه بموظفين كبار منهم  من قادة وزعماء تاريخيين كرئيس الوزراء البريطاني كاميرون فهو ليس تشرشل ولا الرئيس الفرنسي اولاند قريب من ديغول أو حتى من شيراك، أما ميركل المستشارة الألمانية فهي لا تريد الى لعب دور مهم خارج اوروبا، وخارج دائرة الاقتصاد، يبقى الرئيس الروسي بوتين، فهو القائد الذي يمتلك استراتيجية الا أن بلاده متخلفة اربع أو ثلاث خطوات عن كونها صاحبة تأثير حاسم.

نحن اليوم نعيش في عالم بلا قيادة، سواء على صعيد الدول أو على صعيد الزعمات (الأشخاص) في هكذا عالم ليس الغريب أن تدب به الفوضى ويسيطر عليه الارهاب ويتحكم في ايقاع السياسة الدولية. كما أن مجموع هؤلاء الضعفاء اصبحوا هم يخوضون حروبهم بالنيابة عبر الارهاب ذاته، فداعش وغيرها من المنظمات الارهابية هي في واقع الأمر عناوين لحروب مخابراتية بين هؤلاء الضعفاء، فنحن الفلسطينيين لا نزال نتذكر على سبيل المثال "جماعة أبو نضال" وهي الجماعة التي انشقت عن حركة فتح في بداية السبعينيات، واصبح اسم هذه المجموعة يستخدم من قبل أجهزة المخابرات الاقليمية والدولية والموساد الاسرائيلي لتنفيذ عمليات ارهابية تخدم مصالح هذه الجهات التكتيكية.

نحن امام عالم بلا قيادة، يسيطر عليه الارهاب، عالم تزداد به الهوة بين الفقراء والاغنياء، وفي ظل هذا الواقع الخطير نتساءل، أي مصير اسود ينتظر هذا العالم في ظل غياب قادة ذات تأثير.