عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 15 تشرين الثاني 2015

عظماء بصمت‏

حنان باكير

أعجبُ من زمن صار فيه الانسان، وبموهبة متواضعة أو خارقة، يصاب بحب الظهور، أو يضربه فيروس حب الشهرة، والسعي اليها بشكل مرَضيّ، فتكون تعويضا له عن سلطة المال.

من أجيال سابقة، عرفنا مبدعين في مجالات مختلفة، والتقينا بأشخاص، قدموا الخدمات الجليلة لمواطنيهم، ولم يكن همهم حب الظهور أو "الفشخرة". بل عاشوا بصمت، وأدوا خدمات جليلة، ثم رحلوا بصمت.

الحاج فاضل، رحمه الله. ابن قضاء عكا، وصديق والدي ومن رواد مقهى القسيس، المعروف بمقهى العكاكوي. لم أصرح بالاسم الحقيقي له، لعدم تمكني من أخذ اذن بذلك. كان في بداية النكبة مثل كثر غيره، متواضع الامكانيات المادية، التي لا تسمح له بتعليم أولاده، سيما ابنه حسن الذي أظهر نبوغا خارقا منذ مراحل طفولته الأولى.

وفي إصرار من فاضل على الأخذ بيد ولده، الذي آنس فيه النبوغ، استدان القسط الأول له في الجامعة الأمريكية.. فكان ابنه، طالب الطب النجيب، يعتاش على سندويش واحد في اليوم. يستعير الكتب من زملائه، ولكونه لا يملك ثمن المواصلات اليومية، من الجامعة الأمريكية، الى مخيم برج البراجنة، توصل الى اتفاق جنتلمان مع المسجد المقابل للجامعة، يقوم بتنظيفه، وينام فيه مقابل ذلك.

سمع الوالد ذات مرة عن سيدة فلسطينية، هي "مدام خوري"، وتقوم بأعمال خيرية كثيرة. فكتب الابن رسالة لها، يشرح وضعه، ويطلب موعدا لمقابلتها. استقبلته السيدة ووالده، بود واحترام. عرض شهاداته، فذهلت السيدة، وتعهدت بتعليمه وتغطية كافة مصاريفه، حتى التخرج من كلية الطب. وطلبت منه زيارتها من وقت لآخر، للدردشة والاطلاع على أحواله. فتخصص في أمراض القلب والسكري وتفوق في مجاله.

يوم بدأ بالعمل في مستشفى الجامعة الأمريكية وتسلم راتبه الأول، سارع الى مدام خوري، ليبدأ بتسديد دينه. فبادرته: يصلني حقي عندما أعلم أنك تتعهد تعليم طلاب، متفوقين وغير قادرين عليه!

حصل الطبيب المتفوق، بعد ذلك على منح في كبريات الجامعات في بريطانيا واميركا. وحصل على أكثر من دكتوراه. مع التزام بوعده للسيدة الرحيمة، التي كان على تواصل معها. عندما أدخل رئيس وزراء لبنان الأسبق سليم الحص، مستشفى الجامعة الأمريكية، طلبه وحدده بالاسم، ليشرف على علاجه، وكان يدعوه الطبيب الفلسطيني، ويقولها بفخر!

الدكتور حسن، الذي تبوأ أعلى المراكز، في كبريات المستشفيات العالمية، لم ينس مخيمه، ولم ينس مقهى القسيس وزبائنه وذكرى والده. فكان يتردد على المخيم. يشرف على علاج الناس، يزورهم في بيوتهم الأكثر من متواضعة. يحمل لهم الأدوية، ويتفقد أحوالهم. ثم يزور مقهى القسيس، خارج المخيم، ويقوم بعلاج رواده، وتقديم الأدوية لهم، ويسأل عن أصحاب والده، أو من هم من نسلهم، لاستذكار آبائهم، ومعاينة من يحتاج للعلاج. وعندما غادر نهائيا، للإمارات للعمل، ثم الى لندن واميركا، كان يأتي خصيصا، لمطارح طفولته، ومراتع شباب والده، للاطمئنان وتقديم العلاج المجاني لهم!

يوم تم تعيينه في أكبر مستشفى في بريطانيا، طبيبا ومحاضرا.. وقف أمام المبنى الفخم والضخم وقال: الله الله يا دنيا!! من كان يقول بأن ذلك الفلسطيني اللاجئ، وابن المخيم، والمعدم ماديا، سوف يدخل هذا المبنى طبيبا ومحاضرا!