عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 12 تشرين الثاني 2015

أصحاب ولا بيزنس

سما حسن

قبل أيام قليلة فجع الوسط الثقافي والإعلامي برحيل الشاعر والصحفي الفلسطيني الشاب جهاد هديب، ليلحق بكوكبة من مثقفي فلسطين الذين رحلوا منذ بداية هذا العام وليكون هو أصغرهم سناً ولكنه فاقهم بموهبة شعرية نادرة لم تأخذ حقها من التكريم والانتباه شأنه شأن المبدعين الذين لا يلهثون خلف الشهرة والظهور، فقد كان الراحل ذا شخصية هادئة خفيضة الصوت.

مع ساعات رحيله الأولى ضج الفضاء الالكتروني الأزرق بكلمات الرثاء وسالت الكلمات الحزينة وانبرت الأقلام تكتب عنه وترثي رحيله المبكر، وكان الصدق يفوح من كلمات وسطور قليلة كتبها أعزاء عاشوا معه أجمل سنيّ حياتهم وقد كانوا صادقين فعلاً لأن أيام الطفولة والصبا في بلاد الشتات تربط البشر بأربطة من الصعب أن تنفك أو تزحزحها شؤون الحياة الجديدة التي وضعوا أقدامهم على أعتابها، فقد ظلت فلسطين تحيا معهم وتنبض مع قلوبهم حباً وحنيناً لها أينما رحلوا وحلوا حتى وهم يتألمون من الغربة، حتى والمرض يقضم أجسادهم قطعة قطعة كما حدث مع جهاد.

جهاد أحب فلسطين وتمنى زيارتها وظل مولعاً بكل أخبارها ومتابعاً لتفاصيل عذابات أهلها وقد تمنى أن يلمس مياه بحرها وحقق أمنيته حين زارها تهريباً مخاطراً بحياته عام 2004 فوصل بمساعدة أصدقاء له إلى عمق فلسطين المحتلة عام 1948 واستطاع أن يلمس مياه بحر قيسارية كما تمنى.

أمام كل هذا الحب لفلسطين فماذا فلسطين فاعلة لأمثاله؟ وهنا يكون السؤال الأدق: ماذا على أصحاب جهاد أن يفعلوا من أجله؟ فهو لم يترك أحدا مثل محمود درويش، فالأيام ستمر وستطوي حادثة رحيله الغض المفجع ويعود كل إلى عمله ونودع آخر وآخر من مبدعي وطننا الأسير، وهنا لي اقتراح بسيط يتوجب على محبي جهاد وكل من رحل عنا من مبدعي فلسطين الولادة تبنيه، وهو أن يقام صندوق لجمع أموال من مثقفي فلسطين في جميع المعمورة ويكون هذا الصندوق باشتراك سنوي بسيط ومقره العاصمة الأردنية عمان وأن يتم طباعة ونشر إبداعات أمثال جهاد وتوزيعها على المكتبات العامة ومكتبات المدارس وحتى المكتبات المتنقلة لأن الجيل القادم بعدنا لن يعرف من هو كاتب "قبل أن يبرد الياسمين" مثلا.

أحسب أن الوفاء لجهاد هديب الذي رحل وهو في الثامنة والأربعين من عمره ولم يترك أولاداً يجب أن يكون وفاء مختلف وخاص لهذا الرجل الذي أعطى من حوله الحب والجمال والاهتمام حتى وهو يتألم من جرعات العلاج الكيماوي، ويجب أن تجمع أوراقه ومقتنياته وكتبه وكل قصاصة خطها وأن يحافظ عليها لأن ضياع آثار مبدعي فلسطين سيكون واحداً من الطرق التي تضيع بها فلسطين أكثر وأكثر.

إن أمثال جهاد يجب ألا يموت إبداعهم بموتهم، فشعر جهاد يجب ان يقرأ  في الأماكن العامة ومحطات القطارات وفي المطارات، يا أحبة جهاد اتركوا في كل مطار ديواناً من أشعاره.