(كيرن كيميت) الصهيوني و(كورونا) المتحور
سؤال عالماشي - موفق مطر
كشف مدير الخرائط في بيت الشرق الفلسطيني خليل التفكجي عن أمر خطير جدا، ففي مقابلة مع راديو موطني أمس، تحدث التفكجي عن دور الصندوق اليهودي المسمى (كيرن كيميت) في شراء أراضي دولة وخاصة فلسطينية وتمليكها لإسرائيليين يهود حصريا لإنشاء مستعمرات يهودية (مستوطنات) يتم تسجيل أراضيها عبر عمليات شراء وبيع بأسماء مستوطنين يهود. فالصندوق اليهودي عمل وما زال يعمل على تجريد الأراضي من صفة اراضي دولة سواء كانت فلسطينية أو حتى إسرائيلية لمنع إعادتها لدولة فلسطين حال الوصول إلى حل سياسي. وهنا تتجسد العنصرية التي ولدت منذ انعقاد مؤتمر بازل الصهيوني عام 1897 وابتداء المشرفين على هذا الصندوق بعد بضع سنوات بجمع الأموال لشراء ليس في فلسطين وحسب بل في دول عربية أيضا، وإجراء عمليات بيع وشراء صورية لتمليكها لأشخاص يهود.
يتخذ "الصندوق" في هذه الأيام مسارا جديدا أكثر خطورة من مهماته السابقة التي ابتدأها منذ العام 1901 ذلك أنه بات الوسيلة الجديدة القديمة للاستيلاء على أرض فلسطين الحكومية وأراضي مواطنين فلسطينيين خاصة تحمل سمة الموقع الاستراتيجي، إما لبناء مستوطنات عليها أو توسيع المستوطنات المنشأة على أراض فلسطينية محتلة منذ عدوان الخامس من حزيران من العام 1967 حتى الآن.
كنا كتبنا عن الصندوق اليهودي في هذه الزاوية واقترحنا تشكيل "كيرن هايسود" عربي، أي صندوق عربي لتمويل إعادة العرب اليهود إلى مواطنهم الأصلية في اليمن والعراق وسوريا والمغرب والجزائر، وللعلم فإن الـ "كيرن هايسود" كان مخصصا في إطار الوكالة اليهودية لتمويل عمليات نقل اليهود من بلاد عربية وأخرى أجنبية إلى فلسطين بعد صدور وعد بلفور عام 1917، عندما أعلن وزير خارجية بريطانيا عن منح اليهود في العالم دولة لهم على أرض فلسطين، ويعتبر هذا التاريخ بداية الجريمة التاريخية بحق الشعب الفلسطيني حيث تم تمكين الوكالة اليهودية وصناديقها من العمل بحرية في ظل الاحتلال البريطاني لفلسطين، ما وفر للمنظمة الصهيونية القدرة على الاستيلاء على أراض عامة منحتها سلطة الانتداب، وخاصة تم شراؤها من إقطاعيين كبار وأغلبهم من جنسيات عربية من بلدان مجاورة لفلسطين.
اليوم نعود ونكتب في هذا المقام ما نسميه اقتراحا بضرورة تركيز السلطة الوطنية، وهيئة تسوية الأراضي الفلسطينية تحديدا عملها وبجهود مضاعفة على الأراضي الفلسطينية المصنفة حساسة أي في مواقع استراتيجية يسلط (الكيرن كيميت) الاستعماري العنصري عينه عليها، وينتهج السبل المخالفة للقانون الدولي في الاستيلاء على أراض فلسطينية محتلة باتت معرفة أنها تقع ضمن أراضي دولة فلسطين المحتلة منذ العام 1967 حتى لو انشئت عليها مستوطنات خلال عقود من الاحتلال، فأراضي دولة فلسطين المحددة في القرار الصادر عن الأمم المتحدة عام 2012 رقم 19ـ67 يعترف بحدود دولة فلسطين وفقا لحدود الرابع من حزيران 1967.
المهندس خليل التفكجي نبه إلى قضية مهمة جدا وهي أن المالك الفلسطيني لأرضه ليس لديه إثباتات شهادات ملكية قانونية، لذا فإن سلطات الاحتلال تعتبرها أراضي دولة فتستولي عليها، ونعتقد في هذا السياق أننا بحاجة إلى مؤتمر وطني يعقد من الخبراء والمختصين القانونيين لتحديد الإجراءات الواجب اتباعها، وكشف خداع حكومة الاحتلال التي أوكلت لواحد من أركان الوكالة اليهودية التابعة للمنظمة الصهيونية بتطوير أعماله والدخول على خط شرعنة اغتصاب ارض فلسطين وتهيئة الحجج والوثائق لطرحها أمام المنظمات الدولية عند الضرورة. أما الجزء الآخر من اقتراحنا فنعتقد أن مجموعة خبراء من مؤسسات دولة فلسطين المعنية بشؤون الأراضي والأمن وكذلك المتخصصين في هذا السياق في القانون يمكنهم دراسة تمليك أراضي دولة تابعة لدولة فلسطين لمواطنين فلسطينيين موثوقين لا يملكون أصلا من أرض وطنهم بأسعار رمزية، يحظر عليهم بيعها أو التصرف بها إلا في حالة التوريث، وذلك كإجراء مضاد لمواجهة مشروع الصندوق اليهودي رغم أننا أصحاب الحق التاريخي والطبيعي في أرض وطننا فلسطين، وفي أرض دولة فلسطين.
الأمر الأخطر الذي كشف عنه التفكجي هو توجه (الكيرن كيميت) لتسجيل الأراضي التي يشتريها باسم (الدولة اليهودية) ويبيعها لليهود حصرا، وضرب مثلا على ذلك بما حصل في العفولة والناصرة، ما يوفر الحجة لحكومة منظومة الاحتلال الاستعماري العنصرية إسرائيل بأن توسيع أراضي المستوطنات قائم على أراض يهودية وليس "أراضي دولة" تخضع لدولة اسرائيل!!، فعمليات شراء وبيع الأراضي تتم بأسماء يهودية كما حدث في "غوش عتصيون" وكتل استيطانية، فيما تتركز بقعة ضوء الصندوق على أراضي استراتيجية في بيت لحم والخليل وشمال شرق القدس كمنطقة مخماس وشرق البيرة.
المشروع الصهيوني الاستعماري الاستيطاني العنصري يبدو في هذه اللحظات كفايروس كورونا المتحور، يطور نفسه ويتخلق من جديد أشد فتكا وأسرع انتشارا، وهنا وجب علينا تكريس جهودنا الوطنية وقبل أي أمر آخر لحماية أرضنا، فأصل الصراع عليها، فمنها نستمد قوة روحنا وعليها سيكون حاضر ومستقبل وجودنا كما كان عبر الزمان منذ آدم الفلسطيني الأول.