عباس محمد حامد.. سلواد
عيسى عبد الحفيظ
دخل العريف في جيش التحرير الفلسطيني "موسى الشيخ" سجن المحطة ليتعرف على الذي حمل لقب "الكنت", الذي أبدى اهتماما ملحوظا بالوافد الجيد وأراد أن يسمع منه حال المقاومة في منطقة الاغوار, وبعد أن استمع باهتمام الى ما قاله "موسى الشيخ" دعاه "الكنت" الى وليمة خاصة على شرفه. اعتقد موسى الشيخ أن الوليمة لن تتعدى مع ما يقدمونه في السجن مع اضافة ما يوفره الكنت من هنا وهناك. أرسل الكنت رسالة الى مدير السجن طالبا أن يوفر لهم وجبة من مطعم "جبري" في عمان, وهو أحد أشهر المطاعم في الأردن على حسابه الخاص.
لم تكن تمنيات موسى الشيخ تتعدى غداء يشبع فقط, وظن أن الكنت يسخر منه فمن هو السجين الذي يتجرأ ويطلب من مدير السجن ما طلبه الكنت, وكيف له أن يدفع فاتورة مطعم "جبري" المرتفعة؟
غير أن المفاجأة كانت كبيرة, حين وصلت الوجبة التي طلبها الكنت بعد نحو ساعتين. بضعة قدور كبيرة من الطبخة الأردنية الشهيرة, المنسف, وكومة من الأرز تعلوها قطع اللحم الكبيرة المطبوخة بالجميد تزينها حبات الصنوبر واللوز؟
امتلك "الكنت" المال واستخدمه بكرم, كما امتلك الجرأة والنفوذ باستجابة مدير السجن الفورية والتي نادرا ما تحدث.
ولد "الكنت" في قرية سلواد, وأسس محلا لغسل الملابس وكيها. واستطاع خلال فترة بسيطة أن يكون ثروة لا بأس بها سمحت له أن يسافر بالطائرة الى بيروت لحضور حفل غنائي أو مسرحية لفيروز.
لم تمنع وفرة المال عباس الملقب بالكنت الالتحاق بالثورة, لكن اعتداده بذاته دفعه الى انشاء فصيل خاص به أسماه "منظمة طلائع الفداء" سويا مع شريكه "صبحي ياسين". أدرك بعد فترة وخاصة بعد معركة الكرامة أن الآفاق مسدودة أمام تنظيمه خاصة بعد اغراق الساحة الفلسطينية بعشرات التنظيمات, فعمل فورا على حاله والتحق بحركة فتح أسوة ببعض التنظيمات الصغيرة, والتي أدركت أن البقاء لحركة فتح التي أثبتت وجودها النضالي واستقطابها لغالبية الجماهير, وقوتها العسكرية وامكانياتها الكبيرة.
ترأس عباس محمد مجموعة قتالية ضمت في صفوفها محمود حسن نصر الله "ابو حنفي", وصلاح عباس وانتقل الى داخل الأرض المحتلة, فكان ان اصطدمت المجموعة بدورية للجيش الاسرائيلي قرب أريحا, وخاضت اشتباكا داميا أسفر عن اصابة "ابو حنفي" اصابة بالغة في العنق واليد, أما صلاح عباس الفلسطيني القادم من العراق فقد أصيب اصابة بالغة في ساقه أودت بحياته لاحقا, واستشهد باقي أعضاء المجموعة, أما الكونت فقد زحف بعيدا وتمكن من الانسحاب, ليس باتجاه الشرق بل باتجاه الغرب نحو العمق الفلسطيني, وكما ذكر لاحقا وقال "المهمة لم تنجز بعد".
تملص الكونت من الطوق واستطاع الوصول الى بلدته سلواد حيث اختفى لفترة, ثم انتقل الى مدينة نابلس للالتحاق بقواعد الثورية السرية هناك. ذهب الى زيارة صديق له كان معه في السجن بعمان, لكنه وفي ليلته الأولى عند صديقه هاجم الجيش الاسرائيلي المنزل وتم اعتقاله, وأودع سجن عسقلان ليعيش لفترة الأكثر قمعا وقسوة, لكنه لم ينكسر ولم يتردد في الحفاظ على الخط التنظيمي والمشاركة في كل الفعاليات والمواجهات مع أداة السجن.
تنقل "الكنت" في مختلف السجون الى حين تحرره في صفقة التبادل عام 1985. عاد يتنقل بين عمان ومختلف العواصم الى حين عودته على أرض الوطن بعد اتفاق اوسلو حيث عاد الى بيته في سلواد والمصبغة التي درت عليه ربحا وفيرا.
توفي في سلواد ودفن فيها بعد أن تقدم به العمر, لكنه بقي ذلك الكنت صاحب الروايات والقصص التي لا تنتهي.
رحم الله شهداءنا وأسكنهم فسيح جنانه
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل