من وحي بيروت
حنان باكير
مشهدان متناقضان من بيروت، وضعاني امام ديلما فقدان الوطن. هناك حيث ما يسمونه المنفى، تجد الكرامة، والأمان من غوائل الزمن. لكنك مستوطن بالخواء العاطفي.
جارتي البيروتية، نادتني من البناية المقابلة حال شاهدتني، اقف على بلكونتي، فألحت علي بالمرور، لنشرب القهوة معا. لبّيت الدعوة. كانت جلسة لطيفة، أخبرتني بفرح عن عائلتها. ففي الأبنية المجاورة، سكن ابناؤها، واخوتها ونسلهم. فهم اصحاب المُلك، من زمن طويل.. انهم في وطنهم!
انتهت الزيارة، وتوجهت للتسوق. لم أمرّ بدكان، الا واستوقفني اصحابه للسلام وتبادل الأحاديث العابرة والضحكات. في السوبر ماركت، أجلس مع صاحبته وهي صديقتي، نشرب القهوة، وتحدثني عن المستجدات في أوضاع الحيّ والبلد بشكل عام! صديقتي النرويجية، التي رافقتني ذات مرة، تقول لي: أنت هنا لا تشبهين نفسك في النرويج! هنا انت أكثر مرحا وانطلاقا، وانا افهمك!
أنهيت جولتي الصباحية، في منطقتي. وتوجهت ظهرا الى برج البراجنة. أول محطة لي، كانت امام مقهى القسيس، المعروف "بقهوة العكاكوي". المقهى الذي اختصر وطنا بأكمله. بدا كئيبا، داكن اللون، وشبه مهجور. الطاولات والكراسي، فعل الزمان بها فعلته. شاغلو الكراسي، لا يقلون بؤسا عن اجواء المقهى. ما نقلني الى المشهد الثاني البائس.
في أوائل خمسينيات القرن الماضي، أسس أبو زهير هذا المقهى ليكون بديلا عن مقهاه في عكا. وجمع شمل اهل عكا بكل قراها وبلداتها. كانت حيطان المقهى زاهية، أقرب الى البياض. الطاولات والكراسي، في أوج جدّتها وبهائها. وقد اعتاد الضرير "نظير"، أن يمر كل يوم، تسبقه عصاه متلمسة الأرض له. يحسس على الكراسي، ويقرر من تحتاج الى تجديد وإعادة تقشيش. كنت طفلة، ارقبه بدهشة، كيف يقوم بعملية تقشيش الخيزران، بدقة يعجز عنها المبصرون. كنت أقول لأبي، ألا تعتقد انه محتال ويدّعي العمى!
شهد المقهى وشارك، افراح رواده، يوم تخرج ابناؤهم من الجامعات، وكيف تحولت القابهم الى "أبو الدكتور" و"أبو المهندس".. انتعش هؤلاء ماديا، وغادروا المخيم الى شقق جميلة. كان العلم مفخرة كل فلسطيني منهم.
ذات يوم، صحا المقهى على انطلاقة الثورة. فحصل رواده على فرح جديد، يبشر بعودة الأمل الذي خبا في وجدانهم. فامتلأت حيطان المقهى بمختلف أنواع "البوسترز".. لقوات العاصفة، الجبهة الشعبية.. وسائر الفصائل. وكلها تكرّس النضال حلا وحيدا.. فاستعاد الفلسطيني مشاعر العزة والكرامة.
ولأن للنضال أثمانه، فقد بدأت قوافل الشهداء تتسابق الى مجد الوطن. فأضحت صور الشهداء، وأوراق نعيهم، تغطي وتطغى على ما سبقها من بوسترز. والحروب المتناسخة على الساحة، بدأت تذهب برونق المقهى.. الكبار يرحلون، الصغار يستشهدون، وتتزاحم صورهم على اخذ حيز لها على حيطان المقهى. بعضها قد اصفر، وبعضها تلطخ بغبار الحرب الاسود، وبعضها ما زال حديثا وطازجا..
أكثر من مرة، تم تدمير المقهى، ثم أعيد اصلاحه، وفي كل مرة يفقد من رونقه. وترحل القصص الجميلة، مع اصحابها، الى حيث اللاعودة. ويظهر البلطجية الصغار، يكسرون ويدمرون بمحتويات المقهى في سبيل خوّة سخيفة يطلبونها.
شهقتُ شهقة خلتها ستذهب بروحي. رغم الوضع اللبناني المشوش، يكفي المواطن أنه في ارضه. في حين أن فقداننا للوطن، هو فقدان لكل فرح في حياتنا! فازداد تمسكي بمقولة "وطن على صليب، ولاعذابات اللجوء".
مواضيع ذات صلة
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي