بايدن رسميا إلى البيت الأبيض.. وترامب سيدفع الثمن!
د. رمزي عودة
عاش العالم أجمع قبل أيام صدمة كبيرة، وهو يشاهد عبر شاشات التلفزة العالمية، قيام المتظاهرين المؤيدين للرئيس المهزوم في الانتخابات ترامب حصار المبنى الرئيس للكونغرس الأميركي "الكابيتول" واقتحامه من أجل تعطيل جلسات الكونغرس بشقيه؛ مجلس النواب ومجلس الشيوخ، لإقرار النتائج النهائية للانتخابات التي أعلنها المجمع الانتخابي، والتي أفضت إلى فوز بايدن المرشح الديمقراطي. وفي ظل المشهد السياسي العنيف في عاصمة الحرية "واشنطن"، نجح ترامب بتحريض الجماهير المؤيدة له من خلال خطاباتاه وتغريداته بأن الانتخابات مزورة وأنها قد تمت "سرقتها منه ومن الشعب الأميركي" على حد تعبيره، وقد قتل في هذه الأحداث الصادمة أربعة من الأميركيين المتظاهرين من بينهم امرأة، وبالرغم من رفض البنتاغون التدخل العسكري من قبل قوات الحرس الوطني باعتبار الجيش لا يتدخل في المنافسات السياسية لصالح أي طرف، فقد نجحت الشرطة الأميركية بعد ساعات قليلة من تعليق الكونغرس جلسة التصويت على الانتخابات، في طرد المتظاهرين الغاضبين من مبنى "الكابيتول"، وإعادة الحياة الطبيعية إلى العاصمة، والتي أعلنت عمدتها حظر التجول فيها من الساعة السادسة مساء حتى الساعة السادسة صباحا، تجنبا لمزيد من الاحتكاكات.
وفي أول تصريح رسمي له على هذه الأحداث التي وصفها بالتمرد، طالب الرئيس المنتخب بايدن ترامب بالخروج للشعب الأميركي والطلب منهم الانسحاب بسلام احتراما للقيم والتقاليد الديمقراطية الأميركية، كما اعتبر الرئيس الأميركي الديمقراطي السابق باراك أوباما، هذه الأحداث بأنها "مريعة ولكنها ليست مفاجئة"، إشارة إلى حالة التحريض المستمرة على نتائج الانتخابات ونعتها بالتزوير من قبل ترامب. من جانبه، وصف الأمين العام للناتو هذه الأحداث بالصادمة، وطالب رئيس الوزراء الكندي باحترام نتائج الانتخابات، كما أكدت بريطانيا أنها تراقب بقلق الأحداث المؤسفة في الولايات المتحدة، وتتمنى أن يتم احترام الصندوق الانتخابي. من جانب آخر، لوحظ انقسام من قبل الجمهوريين أنفسهم تجاه الأحداث الدامية في "الكابيتول"، وحملوا بشكل أو بآخر المسوؤلية لترامب، فقد أكد نائب الرئيس الأميركي "بنس" احترامه لنتائج الانتخابات، ما دعا ترامب إلى وصفه بأنه "لم يكن شجاعا". واعتبر وزير الخارجية الأميركي الأحداث السابقة بأنها "عنف انتخابي" غير مقبول، كما أعلن زعيم الأغلبية بمجلس الشيوخ السيناتور ميتش ماكونيل بعد التصويت، أنه لا يتوقع أي تصويت آخر للطعن على نتائج المجمع الانتخابي، رافضا الأحداث المؤسفة التي جرت في الكونغرس، وداعيا إلى احترام نتائج الانتخابات. كما تراجعت السيناتور الجمهورية عن ولاية جورجيا كيلي ليفلورعن موقفها المعارض للتصديق على نتائج ولاية أريزونا بعد أحداث الشغب في "الكابيتول".
وقد نجح الكونغرس اليوم في استكمال جلسته لإقرار نتائج الانتخابات، وأعلن رسميا نائب الرئيس الأميركي "بنس" عن فوز بايدن بالانتخابات العامة الرئاسية بأغلبية 306 نقاط، وهي أغلبية ساحقة لم يحظ بها أي رئيس أميركي منذ تأسيس الولايات المتحدة. وبالرغم من الإعلان رسميا عن فوز بايدن، إلا أن ترامب استمر في تغريداته التي لا تعترف بنتائج الانتخابات، وفي حين أنه دعا المتظاهرين إلى الانسحاب بسلام من مبنى الكابيتول، الا أنه وصفهم بالأشخاص الجيدين والأخيار، وأعلن لهم بأسلوبه التحريضي الشعبوي المعروف بأنه لن "يستسلم أبدا ولن يرضخ لهذه النتائج".
وفي النتيجة، فإن ترامب، ومن خلال تحريضه المستمر لمؤيديه على رفض نتائج الانتخابات، ومحاولة الضغط واستغلال نفوذه على النواب الجمهوريين، قد خسر أهم قواعده الانتخابية، كما خسر حلفاءه التقليديين في الحزب الجمهوري. وخسر فوق هذا وذاك، احترام الشعب الأميركي الذي اعتاد ممارسة التقاليد الديمقراطية الأميركية، والذي لم ولن يتقبل بتاتا صور اقتحام مبنى "الكابيتول" من قبل مؤيدي ترامب، وهو الأمر الذي لم يحدث سوى في الحرب الأهلية الأميركية قبل أكثر من 350 عاما.
في الواقع، لن يمرر الديمقراطيون بقيادة بايدن ما حدث بسهولة، فمسألة اقتحام مبنى "الكابيتول" والقتلى المدنيين الذين وقعوا في باحات المبنى، وسلسلة التحريض المستمر من قبل ترامب، كلها قضايا مهمة تتعلق بالأمن القومي الأميركي، وبالحفاظ على النسيج الوطني ومنع الانقسامات، واحترام منظومة القيم السائدة. وبالضرورة، أعتقد أن هنالك الكثير الذي ينتظر ترامب بعد استلام بايدن رسميا السلطة في العشرين من كانون الثاني/يناير الجاري. حيث يمكن توقع بعض الإجراءات والتشريعات التي يمكن أن يقرها الديمقراطيون في الفترة المقبلة لبقائهم في السلطة، والتي باتوا يسيطرون على أهم أعمدتها، وأقصد هنا السلطة الرئاسية ومجلسي النواب والشيوخ. ومن هذه الإجراءات والتشريعات المتوقعة:
أولا: إجراء تعديلات مهمة في النظام الانتخابي، وأقصد هنا توحيد طرق فرز الأصوات واحتساب التصويت عبر البريد، وتحسين وسائل الرقابة الأهلية والقضائية على نتائج التصويت.
ثانيا: إجراء تقييدات على قدرة الكونغرس على الطعن في نتائج الانتخابات بعد إقرار المحكمة العليا في قضايا الطعون، بحيث لا تتعارض صلاحية السلطة التشريعية مع صلاحيات السلطة القضائية.
ثالثا: إجراء تقييدات أكثر في عملية التصويت غير المباشر في الولايات المتحدة، وأقصد هنا إصدار تشريع يلزم أعضاء المجمع الانتخابي بالتصويت بشكل يتوافق مع تصويت الولايات.
رابعا: إصدار تشريعات تقيد صلاحيات الرئيس بالتحريض على نتائج الانتخابات والاتهامات بالتزوير، في ظل ضمان قيام المؤسسات ذات الاختصاص في الولايات وفي الدولة الفيدرالية بمتابعة الطعون الانتخابية وإصدار قراراتها بشأنها.
خامسا: تجريم الأفعال الصادرة من قبل الرئيس المنهزم في الانتخابات ترامب، وهي المرتبطة بأفعال التحريض، ودعوة الجمهور للتمرد، والطعن غير المسؤول في قرارات السلطة القضائية، ومحاولة استخدام النفوذ للضغط بشأن تغيير نتائج الانتخابات كما حدث في فضيحة تسريب مكالمته مع حاكم فرجيبنا.
وفي المحصلة، فإن النتائج الكلية لما حدث سوف تؤدي إلى مزيد من خسارة الجمهوريين لثقلهم في الشارع الانتخابي في الولايات المتحدة، وربما لن يفلح أي مرشح جمهوري في الفوز في أي انتخابات رئاسية قادمة لعقود من الزمن على إثر الصورة السلبية التي تركتها الأحداث التي جرت في هذه الانتخابات التاريخية في الولايات المتحدة، والتي سيستغلها الديمقراطيون بدهاء في أي انتخابات قادمة.
ومن جانب آخر، سيدفع ترامب ثمنا باهظا لنتائج أعماله في هذا السباق الانتخابي المحموم، ويتوقع أن تقوم إدارة بايدن بعد استلام السلطة رسميا بالتحقيق معه في هذه الأعمال التي تصل إلى التجريم، وسيخضع ترامب إلى محاكمة خاصة من قبل الكونغرس الأميركي، وقد تتراوح التهم الموجهة له ما بين العصيان إلى الخيانة العظمى. ولن يكتفي بايدن بتوجيه اللوم له، ولكنه سيقدمه للمحاكمة العلنية، وأعتقد أن ترامب عليه الآن وهو يحزم حقائبه للخروج من البيت الأبيض أن يقدم قرابين الطاعة لبايدن، ولكنني أجزم بتاتا أن بايدن لن يعفو عليه.