صاحب الرؤية
كلمة الحياة الجديدة

ليس الرئيس أبو مازن شتاما، ولا طعانا، وإنما هو هذا السياسي العقلاني الحكيم، الذي رأى في "صفقة القرن" التي أعلنها الرئيس الأميركي "دونالد ترامب" سياسة غير عقلانية، فاستهجنها واستنكرها فعلة حمقاء لهذا الرئيس، بعبارة فلسطينية خالصة "يخرب بيتك"، وكانت هذه العبارة استطرادا في كلمة للرئيس أبو مازن أمام اجتماع وطني فلسطيني، والغاية منها تبيان مدى حماقة هذا الفعل الذي أقدم عليه الرئيس الأميركي ترامب ...!!!
تذكر هذه العبارة الإعلامي العربي التونسي محمد كريشان بعد أن شاهد ما جرى ضد الديمقراطية في العاصمة الأميركية "واشنطن" باقتحام مناصري (..!!) الرئيس المنتهية ولايته "ترامب" لمبنى الكابيتول، على نحو بالغ الفوضى والعنف، فاعتبر في تغريدة له عبارة الرئيس أبو مازن، دعاء للعلي القدير، واحتسب أن الله عز وجل، قد استجاب لها، فها هو الخراب كما رأى يصيب بيت "ترامب" بهذا الاقتحام لأيقونة الديمقراطية الأميركية، وزعيمة العالم الحر....!!!
نعرف جيدا نزاهة كريشان المهنية والأخلاقية، ونثق أنه كتب تغريدته برؤيته المهنية، وأبعد من ذلك بتطلعاته القومية، بروحها وقيمها الفلسطينية. وهذا يعني تاليا أنها تغريدة تقدير لموقف الرئيس أبو مازن الذي لم يتردد لحظة واحدة في رفض الصفقة الترامبية، بل وبعد أن وصفها بأنها صفعة، أعلن أننا سنردها صفعات، وفي ترسيخ الإجماع الوطني الفلسطيني على رفض الصفقة، والتصدي لها، توالت الصفعات الفلسطينية، لهذه الصفقة، حتى باتت اليوم في ذمة التاريخ ...!!
والواقع سواء كانت عبارة الرئيس أبو مازن دعاء كما رأى كريشان، أو أنها استهجان واستنكار لفعلة الرئيس الأميركي "ترامب" فإنها في حقيقتها تكشف أمرا بالغ الأهمية، ذلك هو أمر القرار الوطني الفلسطيني المستقل، بكونه دائما ما يشكل قرار التحدي والمواجهة، كلما كانت المهمة الوطنية، هي مهمة الدفاع عن الثوابت المبدئية، ومستقبل مسيرة التحرر الوطني الفلسطينية بأهدافها العادلة وتطلعاتها المشروعة، وبقوة هذا القرار وأصالته، أعلن الرئيس أبو مازن، ومن على منصة تواضعه المادي، رفض فلسطين شعبا، وقيادة، وفصائل "لصفقة القرن"جملة وتفصيلا، وقد أصاب هذا الموقف العالم بأسره بالدهشة: كيف يقف رئيس دولة محتلة، وعديمة الترسانات الحربية، وفقيرة الإمكانيات الاقتصادية، بوجه رئيس أقوى دولة في العالم ..!!! وكان الجواب وما زال وسيبقى، إنها الإرادة الفلسطينية الحرة، بقرارها الوطني المستقل، وأنه الثبات على الثوابت، واليقين والإيمان الذي لا شك فيه، بحتمية انتصار قضية الحق والعدل والسلام، وهذه هي قضية فلسطين.
ثمة من اعتبر هذا الموقف مغامرة، والبعض قال إنها قفزة في الهواء، وهؤلاء في الواقع لم يروا ما رآه الرئيس أبو مازن في صفقة "ترامب" من خراب، وأن هذا الخراب كمثل مكر خبيث، وكل مكر يحيق بأهله، وما سيجعل هذا الخراب ممكنا ومحيقا بأهله، هو التحدي الفلسطيني وقراره بالتصدي للصفقة، ومنازلتها حتى إسقاطها، فما كان الموقف الذي اتخذه الرئيس أبو مازن مغامرة، ولا قفزة في الهواء، وإنما صخرة تحطمت عليها "صفقة القرن" والتي لم تكن، غير صفقة الفكرة العنصرية، بيمينها المتطرف، والموقف الوطني الفلسطيني الذي تصدى لها، هو من كشف عن تأصل هذه الفكرة فيها، وفضحها أمام العالم أجمع، وحتى داخل الولايات المتحدة، وعلى نحو خاص داخل صفوف الحزب الديمقراطي، وقد رأى في العنصرية التي غذاها ترامب طوال سنواته الأربع الماضية، بمختلف سياساته الداخلية والخارجية، وهو في البيت الأبيض، رأى في هذه العنصرية وصفة لصراع مدمر، فانحاز بجمهوره للتصدي لها ما مكنه من الفوز في الانتخابات الرئاسية، وعلى نحو لم يسبق له مثيل، وحيث باتت هذه الانتخابات تاريخية بكل المقاييس والمعاني لهذه الكلمة؛ لأن ما سيكون بعد هذه الانتخابات، لن يكون كالذي كان قبلها، وسنعرف ذلك إلى حد كبير، بعد أربع سنوات من الآن.
يبقى أن نؤكد ما بات مؤكدا أن الرئيس أبو مازن ليس عرافا في كل هذا السياق، وإنما هو صاحب رؤية استشرافية، بما تمنح فلسطين من شفافية للروح، وحكمة للعقل، وطيبة للقلب، بحكم عدالة قضيتها وسلامة أهدافها، ومشروعية حقوقها، وجماليات تطلعاتها الإنسانية النبيلة، وقد أكرمها شعبها بأعظم التضحيات حتى أصبحت على هذه الحقيقة والواقع من القيم النبيلة، والمفاهيم العاقلة، والمعقولة، والمعاني السليلة لحضارتها الأصيلة.
رئيس التحرير
مواضيع ذات صلة
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي
انتهت صلاحية "الجماعة".. ولكن ماذا عن الحرب الدينية؟!
المستوطنة المجاورة: جيرة قسرية