عندما تصبح البندقية عبئاً: هل آن أوان الواقعية السياسية؟
د. حكمت نبيل المصري *

لم يعد السؤال اليوم إن كان القرار بيد حماس وحدها أم لا؛ الواقع يقول إن غزة لم تعد ساحة قرار ذاتي خالص. حجم الدمار، ومستوى التدخلات الإقليمية والدولية، وشروط إعادة الإعمار، كلها تشير إلى أننا دخلنا مرحلة أقرب إلى الوصاية السياسية المقنّعة. في مثل هذا السياق، تصبح الشعارات أقل تأثيراً من الوقائع.
لقد تأسست حماس كحركة مقاومة مسلحة في سياق تاريخي مختلف، حين كانت البندقية تُقدَّم بوصفها أداة توازن وردع. لكن السياسة ليست ثابتة، وما يصلح في مرحلة قد يتحول إلى عبء في مرحلة أخرى. بعد الكلفة البشرية الهائلة والانهيار شبه الكامل للبنية التحتية في غزة، يبرز سؤال قاسٍ لكنه مشروع: هل ما زالت أولوية السلاح تتقدم على أولوية إنقاذ المجتمع؟
المشكلة لا تتعلق بشرعية المقاومة من حيث المبدأ، بل بجدوى الأداة في لحظة تاريخية محددة. حين يصبح استمرار النهج المسلح سبباً مباشراً في تعطيل إعادة الإعمار، أو مبرراً لاستدامة الحصار، أو ذريعة لإدامة الوصاية الخارجية، فإن النقاش يتحول من سؤال "الحق" إلى سؤال "المصلحة الوطنية".
الواقعية السياسية لا تعني الاستسلام، بل تعني إعادة ترتيب الأولويات. المجتمع المنهك، الذي فقد المأوى والعمل والأمن الصحي، يحتاج إلى استقرار طويل الأمد أكثر من حاجته إلى جولات مواجهة مفتوحة. إنقاذ ما تبقى من غزة ليس شعاراً عاطفياً، بل ضرورة وجودية.
التجارب الدولية تشير إلى أن الحركات المسلحة التي أرادت البقاء لاعباً سياسياً مؤثراً انتقلت، في لحظة معينة، من مركزية البندقية إلى مركزية السياسة. هذا الانتقال لا يُفرض بالهزيمة وحدها، بل بوعي أن استمرار المسار ذاته يهدد الحاضنة الشعبية ويستنزفها.
إذا كانت غزة اليوم تحت رقابة دولية مشددة، وإذا كانت عملية الإعمار مشروطة بترتيبات أمنية وسياسية جديدة، فإن التعاطي مع الواقع بمرونة قد يكون أقل كلفة من التمسك بخيارات لم تعد تملك شروط نجاحها. التعاون لإنقاذ ما تبقى لا يعني التخلي عن الثوابت، بل يعني حماية المجتمع الذي يحمل هذه الثوابت.
السؤال الحقيقي ليس: من يملك السلاح؟
بل: من يملك القدرة على حماية الناس من دورة انهيار جديدة؟
في لحظات التحول الكبرى، الشجاعة ليست في رفع السقف، بل في قراءة اللحظة ببرودة أعصاب. وغزة اليوم تحتاج إلى عقل سياسي بقدر ما تحتاج إلى صمود أخلاقي.
-----
* كاتب وصحفي مختص في الشؤون الدولية، وباحث في قضايا العدالة والنزاعات