الذكرى والدلالة والأهمية
نبض الحياة - عمر حلمي الغول
مرت أمس، الذكرى الـ33 للانتفاضة الكبرى 1987/1993، التي غيرت مجرى ومركبات الصراع الفلسطيني الصهيوني، وحققت إنجازات سياسية، ونقلت الصراع إلى داخل فلسطين التاريخية، بعدما انتقل مركز القرار الفلسطيني للداخل، وتراجع حضور الظاهرة العلنية في دول الطوق، ومع تسيد شكل الكفاح الشعبي على حساب غيره من أشكال النضال، دون انتفائها من المشهد هنا وهناك. هذا وتمخض عن العمل السياسي والدبلوماسي تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية بعد اتفاقات اوسلو 1993، التي مازالت تؤكد حضورها رغم كل عناوين الحصار والتهميش والهدم الإسرائيلية ككيانية سياسية للشعب الفلسطيني، والمدخل الطبيعي للدولة الفلسطينية المستقلة وذات السيادة على حدود الرابع من حزيران عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.
كانت ثورة كانون منعطفا نوعيا مهما في مسار عملية التحرر الوطني بدلالاتها الكفاحية والسياسية والقانونية، حيث تمكنت من إنقاذ القضية الفلسطينية من حروب التصفية، التي توجت بالاجتياح الإسرائيلي للبنان في حزيران/يونيو 1982، وتلاها مجزرة صبرا وشاتيلا في ايلول/سبتمبر 1982، وحرب مصادرة القرار الوطني المستقل في البقاع وطرابلس ايار/ مايو 1983، وحرب المخيمات 1985 /1987، والقمة العربية في تشرين الثاني/نوفمبر 1987، فكانت الانتفاضة العظيمة ردا وطنيا على كل التحديات، وشكلت حبل النجاة من مقصلة الأعداء والإعدام لهم جميعا، وأعادت الاعتبار للقضية الفلسطينية، وفرضت الرقم الفلسطيني الصعب على خريطة الجيوبوليتك في المنطقة بدءًا من مؤتمر مدريد نهاية تشرين الأول/ اكتوبر 1991، وصولا إلى اتفاقات اوسلو في أيلول/ سبتمبر 1993، التي أًصلت لولادة السلطة الوطنية في النصف الأول من عام 1994، التي واجهت تحديا غير مسبوق في الكفاح الوطني التحرري، تمثل في انقلاب حركة حماس على الشرعية الوطنية في حزيران/ يونيو 2007، الذي مزق وحدة النسيج الوطني والاجتماعي والثقافي الفلسطيني، ومازال يشكل خطرا داهما حتى يوم الدنيا هذا، ولم تتوقف عند حدود ذلك، لأن التحديات الصهيو أميركية تضاعفت وتعمقت، بعد الإعلان عن صفقة القرن الترامبية المشؤومة، التي هدفت بالأساس إلى شطب القضية مجدداً، غير أنها أيضا هزمت مع هزيمة الرئيس ترامب في الانتخابات الرئاسية في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، رغم ما أحدثته من تشوهات وانقلابات حادة في مسار العملية السياسية، وفي المنظومة الرسمية العربية بعد اندفاع عدد من الدول العربية في عملية التطبيع المذلة في آب/ أغسطس الماضي، وفي التغول الصهيوني على الحقوق والمصالح الوطنية العليا مع مصادقة الكنيست الإسرائيلي على قانون "القومية الأساس للدولة اليهودية" في تموز/ يوليو 2018، وما سبقها وأعقبها من هجوم غير مسبوق ومحموم في عمليات التهويد والمصادرة للأرض الفلسطينية، والذي مازال يتصاعد بتواتر شديد عشية رحيل تاجر العقارت من البيت الأبيض.
أهمية درس الانتفاضة العظيمة تأكيدها على حقيقة راسخة وعميقة، أن الشعب الفلسطيني، العامل الأهم في معادلة الصراع العربي الصهيوني، قادر، ويملك كل أوراق القوة على هزيمة ودحر كل المؤامرات، وعمليات التصفية للقضية والمشروع الوطني، ويستطيع بإرادته الفولاذية قلب معادلات الصراع رأسا على عقب. ودون قبول الشعب وقيادة منظمة التحرير الحل السياسي الممكن والمقبول على أساس خيار حل الدولتين على حدود الرابع من حزيران/ يونيو 1967 وضمان عودة اللاجئين على أساس القرار الدولي 194، والمساواة الكاملة لأبناء الشعب في الجليل والمثلث والنقب ومدن الساحل المختلطة، لا يمكن وجود استقرار، ولا أمن ولا سلام في الإقليم خصوصا والعالم عموما. بتعبير أعمق، درس الانتفاضة الثورة الأهم، أنها أعادت الأمل للشعب الفلسطيني. وأكدت أن شعبا يملك إرادته السياسية، ويتمسك بأهدافه الوطنية وثوابته لن يهزم مهما اشتدت حدة الأزمات، وتكثفت الغيوم الملبدة في سمائه، واتسعت دائرة القوى المعادية والمتربصة به. ستبقى ذكرى الانتفاضة نبراسا مضيئا للشعب الفلسطيني العظيم لمواصلة كفاحه التحريري وصولا لأهدافه السياسية غير المنقوصة شاء من شاء، وأبى من أبى.