بيادق الشرق الجديد
د. أسامة الفرا
سبق لوزيرة خارجية أميركا "كونداليزا رايس" إبان الحرب الإسرائيلية على لبنان عام 2006 أن قالت ان الشرق الأوسط الجديد سيولد من رحم هذه الحرب، وفي ذات العام نشر رالف بيترز، ضابط متقاعد عمل في الاستخبارات العسكرية الاميركية، مقالاً في مجلة القوات المسلحة الأميركية أعاد من خلاله تقطيع الشرق الأوسط إلى دويلات قائمة على الإثنية والطائفية، ويقول بيترز في مقاله ان تعديل الحدود بناءً على رغبات الناس قد يكون مستحيلاً، وهنا تقع مسؤولية الولايات المتحدة وحلفائها، ويختتم بيترز مقاله بالقول ان على الولايات المتحدة أن تواصل حربها على الارهاب لتحقيق الأمن وحرية الوصول إلى منابع النفط في منطقة مقدر لها أن تحارب نفسها.
الحديث حول الشرق الأوسط الجديد ليس بجديد، حيث عمل المحافظون الجدد على مدار سنوات لوضع تصور للمنطقة يقوم على تفتيت الدول العربية وإعادة رسم خارطة سايكس بيكو من جديد، ومن الضرورة بمكان لتحقيق ذلك كان لا بد من تدمير الجيوش العربية القوية في العراق وسوريا ومصر، كي تفقد الحكومات المركزية قدرتها على فرض سيادتها على كامل أراضيها.
استضاقت جامعة جورج واشنطن في العاصمة الأميركية مؤخراً مؤتمراً حول العمل الاستخباراتي، خلال مداخلته قال رئيس الاستخبارات الفرنسية ان الشرق الأوسط الذي نعرفه انتهى إلى غير رجعة، واستعرض الوضع في سوريا والتقسيم الجغرافي بين الفرق المتصارعة وكذلك الحال في العراق، وخلص إلى القول ان المنطقة ستستقر مجدداً لكنها ستكون مختلفة عن تلك التي رسمت بعد الحرب العالمية الثانية.
مدير وكالة الاستخبارات الأميركية اعتبر أن الوضع في كل من سوريا والعراق واليمن وليبيا يؤكد على صعوبة تخيل وجود حكومات مركزية في هذه الدول باستطاعتها ممارسة سلطتها على الجغرافيا التي تم رسمها بعد الحرب العالمية الثانية، وأن القوة في هذه الدول لن تتمكن من فعل ذلك، ونوه إلى مأزق الدول الخليجية في مواجهة التحدي الإيراني، واختتم مداخلته بالقول ان التطورات الميدانية في الدول الأربع المشتعلة خرج عن نطاق سيطرة الدول العربية منذ أمد، وتبقى الدول العظمى هي من تمسك بخيوط مستقبل الشرق الأوسط.
فهل نضجت البيئة المطلوبة لترسيم حدود الشرق الأوسط الجديد؟، وهل باستطاعة القوى العظمى أن تضع خارطة المنطقة الجديدة بمعزل عن أهلها؟، وهل ستعمل أميركا ومعها اسرائيل على تطبيق الشكل الجديد للمنطقة دفعة واحدة أم أن اسلوب التجزئة سيفرض ذاته؟، الأهم هل يقع كل ذلك ضمن نظرية المؤامرة التي تسكن فينا أم أن المعطيات على الأرض تزيح من أمامنا الستار تدريجياً عن لوحة مستقبل المنطقة؟.
هنالك جملة من الحقائق لا بد أن نأخذها بعين الاعتبار، أولها أن الشعوب العربية لم تهضم الحد الأدنى من قواعد الديمقراطية ما يدفعها لاعتماد القوة بديلاً عن الحوار في حل خلافاتها، وثانياً أن العناصر الدينية والطائفية والعرقية باتت من مركبات الخلاف الأساسية، وثالثاً أن حجم الحقد والكراهية وثقافة الثأر باتت تسكن تفاصيل العلاقة بين مكونات الشعوب العربية، ورابعاً ما يتعلق بأولويات الدول العربية التي بات لكل منها أولوياته التي تختلف أو حتى تتعارض مع الأخرى، قبلنا أم رفضنا تجرع الواقع، الشرق الأوسط الجديد على وشك التشكل ونحن أكثر من غيرنا من يسأل عن بيادق الشرق الجديد.
مواضيع ذات صلة
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي