الطفل أحمد دوابشة يعود إلى دوما ويسأل: وين علي؟

نابلس – الحياة الجديدة – بشار دراغمة - "وين علي، ليش ما نجا مثلي من المحرقة" أسئلة برسم براءة الطفولة يطرحها أحمد دوابشة الناجي الوحيد من المحرقة التي تعرضت لها عائلته العام الماضي.
أحمد عاد إلى قريته للمرة الأولى بعد جزء من رحلة علاج شاقة استغرقت عاماً كاملاً، كل ما في دوما يقطر ألماً بالنسبة له، الأب والأم والأخ غائبون إلى الأبد، يسأل أسئلة كثيرة ولا يجد أقاربه إجابات لها، هم يعلمون الحقيقة، ويدركون في ذاتهم أن أحمد أيضاً يعرف كل التفاصيل، لكن الكلام يتداخل والكل يتحدث بتلعثم، تجنبا لنطق الحقيقة.
رحلة علاج أحمد لم تنته بعد، لكنه قطع شوطاً باتجاه التعافي من نيرانٍ ما زالت تلتهم قلبه كما التهمت جسده.
ناصر دوابشة عم الطفل الناجي يقول "أحمد لن يعود للإقامة في المستشفى كما في السابق، المطلوب منه الآن زيارة المستشفى مرة واحدة أسبوعياً، وسيعيش معنا ويقضي حياته هنا في دوما بين أقاربه".
واستشهد سعد دوابشة وزوجته رهام وابنهما الرضيع علي في جريمة بشعة وقعت في قرية دوما عندما أقدم مستوطنون على إضرام النيران في منزل العائلة.
أحمد يستعد الآن للذهاب إلى المدرسة، لا يدري كيف ستكون الأمور بالنسبة له، ويسأل دائما عن شقيقه علي "ليش ما عاش"، وبحسب الأطباء في مستشفى "هشومير" فإن وجود أحمد في قريته يساعد في علاجه بشكل أسرع خاصة الجانب النفسي من العلاج.
أحمد طفل استثنائي، أحلام الطفولة تبخرت بالنسبة له، والهدايا التي يريدها في يوم ميلاده، ليست لعباً ولا تشبه من هدايا الأطفال شيئاً، فهو يريد حقه في محاكمة قتلة عائلته ولا شيء أكثر. في يوم ميلاده السادس طلب أحمد هدية من أبناء شعبه، أمسك بأصابعه المرتجفة قطعة كرتونية كُتب عليها "اليوم عيد ميلادي، الهدية التي أحتاجها منكم هي الحضور لمحكمة قتلة عائلتي، المحكمة القادمة في 28/7/2016 الساعة التاسعة صباحاً، أريد حقي، أحمد دوابشة".
أحمد تجاوز مرحلة الطفولة بالنسبة له، يصرخ أمام الجميع "ما بدي هدايا.. هديتي إنهم يحاكموا المستوطنين اللي قتلوا أهلي، وانو كل الناس تحضر".
أقارب أحمد لا يشعرون بالأمان حتى الآن، وعودة الطفل الجريح تضيف المزيد من القلق خاصة أن بلدة دوما ما زالت تتعرض لاعتداءات من المستوطنين ومحاولات إحراق المنازل في القرية ما زالت مستمرة.
جد أحمد، الحاج حسين يقول "ما زالوا يوصلون إلينا رسائل أن باستطاعتهم الوصول لأحمد ولنا جميعاً، وما محاولات إحراق أحد المنازل قبل أيام إلا رسالة مباشرة لنا، وكذلك محاولة إحراق منزل الشاهد الوحيد على جريمة حرق ابني وزوجته وابنيهما علي وأحمد، كلها رسائل تقول إننا ما زلنا مستهدفين".
أحمد صاحب الذاكره العامرة بتفاصيل كثيرة مرعبة ما زال يقض مضاجع المستوطنين حتى وهو في هذه الحالة الصحية الصعبة، يريدون أن يزرعوا في قلبه رعباً دائماً، لكنه ورغم صغر سنه يبدو أكبر من كل المخططات، فما زال يحشد الناس للحضور يوم محاكمة قتلة عائلته وكأنه نزع كل الخوف من قلبه وما يريده ليس إلا معاقبة القتلة.
أحمد دوابشة لا يتقن فن الكلام، لكنه دائماً يردد عبارة "أنا بخير.. الحمدلله" رغم أنه بحاجة إلى ثماني سنوات من العلاج وصولاً إلى مرحلة الشفاء وإخفاء ما يمكن إخفاؤه من آثر الحروق التي تملؤ جسده.
جد أحمد الذي يستشعر الخطر يوجه مناشدة للرئيس بضرورة تأمين منزل يكون تحت حماية الأمن الفلسطيني خاصة في ظل الدعوات المتكررة من قبل المستوطنين على مواقع التواصل الاجتماعي للتخلص من أحمد وأنه يجب ألا ينعم بالحياة.