اشترينا تلفزيون جديد
دينا سليم

اقتنيت مرآة كبيرة الحجم، لقد استغللت إعلان شركة (ديك سميث) عن افلاسها ففعلت، وكأني أشاهد التلفاز لأول مرة في حياتي، وبدأت أغني (يا حلالي ويا مالي)، وكأنني أرى هذا الشيء لأول مرة في حياتي، لكنها الذكريات، نعم تذكرت حالا عندما اشتهيت أن يدخل هذا الاختراع بيتنا عندما كنت طفلة.
أول من اقتنى الصندوق العجيب جيراننا، بيت (أم مازن)، يفصل ما بيني وبينهم جدار واحد حيث مكث سريري، سهرت الليالي الطويلة وأنا أسترق السمع للأفلام المصرية، وعندما فاض بي الشوق، تسللت إلى الحديقة بينما جيمعهم نيام، تسلقت سورها خفية، وسهرت ليالي حلوة مع القناة المصرية حتى الفجر، تغلق جارتنا الجهاز، هي تصلّي الفجر، وأنا أعود إلى سريري خفية، هكذا كنت، طفلة مشاكسة لكني هادئة!
لكن، عندما اكتشفنا أن حيّة تقيم معنا في الحديقة انهار حلمي بالمتابعة، رأتها والدتي فوق رؤوسنا، أنا واخوتي، على الشجرة بينما كنا نتناول فطورنا، فزعت ونادت جارتنا (أم مازن) لكي تقتلها، وحسنا فعلت، لكن بعد شهر حظيت بلدغة حيّة أخرى سكنت حفرة في الشارع، ثالث مرة أنجو فيها من الموت، من حينها قررت عدم تسلق الجدار، واستغنيت عن مشاهدة التلفاز بالقراءة كعقوبة رائعة مشددة، وبدأت الكتابة، وأتقنت الارتجال والتأليف لساعات أمام أخوتي لكي أقوم بتسليتهم، حتى حان الوقت واقتنت خالتي ثاني تلفاز في الحارة، فذهبت وأقمت معها ومع جدتي، وما هو أجمل من أيام الجمعة واليوم المفتوح، أسمع تلاوة القرآن وأنتظر الخاتمة (صدق الله العظيم) بفارغ الصبر، وأنا أجمع الأزهار من الحديقة، أهيؤها وأنسقها داخل الفازات استعدادا للمتابعة، صنعت لي جنة من أحلامي الواقعية، هكذا عشت أجمل أيام طفولتي.
لنعد إلى بيتي، قلنا، أنا وابنتي، لنجرب القنوات العربية، بعد عنادي المستمر بألا أفعل، لكنها أغرتني وبدأنا نشاهد معا فيلما لعبد الحليم (أيامنا الحلوة) يمكن للمرة العشرين، معبودي وقد وبختني والدتي فيما سبق كلما غنيت له، فقد تمتعت بصوت رخيم، قالت لي (لا تسمعي عبد الحامولي التافه هذا، اسمعي أسمهان)، (اسمه عبد الحليم وأنا أعشقه، ولن أسمع أسمهان ولا أم كلثوم، ولا ليلى مراد).
عبدو يغني بأمر الحب افتح قلبك واتكلم، (وهات يا عبط وهات يا بوس وهات يا آهات ووشوشة وهات يا حب)، ياه ما أجملها من مشاهد حقيقية، وكأنني أشاهدها لأول مرة، يا لهذه الرومانسية التي تدعنا نشعر بأنفسنا ونعترف بجمالنا، نحن كائن جميل، لقد خلقنا بكل هذا الجمال من عند الله فلماذا يحرمّونه الآخرون؟
وعندما سألت ابنتي، بما أنها مخرجة سينمائية، لماذا لا أرى ندوبا، أو بثورا في وجوه الممثلين، قالت لي أنه سابقا قاموا بتسليط الأضواء القوية على الوجوه فتبدو ناصعة البياض عوضا عن عمليات (الفوتوشوب) المستخدمة اليوم. تذكرت الخال الموشوم داخل بؤبؤ عيني، وذلك عندما اكتشفه لأول مرة طبيب العيون، مسلطا الضوء داخل عيني، وعندما فرغ قال لي (عينك حلوة يا آنسة)، لم أفهم أنه غازلني، فكيف لي أن أعلم، وأنا منغمسة بروايات إحسان عبد القدوس، ومحمد عبد الحليم عبد الله، بكتبه (اللقيطة) و(شجرة اللبلاب) وغيرها!
ياه، كم أحببت تلك الأيام الجميلة، فصاحبة الضفيرتين استطاعت أن تنجو من سم الأفعى عندما انساب شعري على ظهري مثل شلال، ربطت لي والدتي ساقي بالمطاط لكي لا يتسرب السمّ داخل جسدي، تسألني (أين كنتِ) هل أشي لها بالسر العظيم وهو أنني كنت أبحث عن طريق أخرى لبيت الجيران لكي أشاهد التلفزيون؟ الآن ستعلم
ليت عالمنا يبدو أبيضا مثل السابق، وأن يكون تفكيرنا بما يقدم الآن، من أفلام عصريا ونقيا، وأن يعود بنا الزمان ومن عاشرناهم سابقا قبل نشوء الطائفية، وأن يعود طبيب العيون لمغازلتي، لنعيش قصة غرام حلوة، وألا نكتفي بالذكريات، فــ (حرام نسكت على قلوبنا)!
مواضيع ذات صلة