محمود شقير والتجريب داخل التجريب
وليد أبو بكر*

هناك سمتان لا بد من الإشارة إليهما تحديدا في لغة الكاتب: الأولى هي انه لا يكتفي بأن تكون الفكرة التي تحملها القصة ساخرة، ولكنه يدخل السخرية في ثناياها، باللغة أيضا: سوف نجد ذلك في الموقف، وسوف نجده في السرد، وفي الحوار. سوف يكون مريحا في بعض الأوقات، وسوف يرسم ابتسامة على الشفاه في بعضها الآخر، ولكنه قادر على أن يثير ضحكة حقيقية في لحظة ما.
في "مقعد رونالدو" مثلا، عندما يشك المجتمع بأن للسائق صلات مشبوهة مع سلطات الاحتلال، فإن "حركة "الأفعال لا الأقوال ... التقطت المبادرة على الفور، دعا زعيمها أهل الحارة إلى اجتماع حاشد، فلم يحتشد في الساحة سوى ثمانية رجال، نصفهم على الأقل من أعضاء الحركة، ونصفهم الآخر من أعضائها كذلك" (ص 7).
أما السمة الثانية فتتعلق بصيغ السرد لدى الكاتب، وخصوصا فيما يتعلق بالراوي: معظم القصص يلتزم بالصيغة المعروفة، لكن الكاتب يلجأ في بعض الحالات إلى شكل من التنويع الذي يناسب تيار التذكر أو اللاوعي، فيتداخل ساردان أو أكثر، بدقة لا تتيح للقارئ أن يشعر بالحيرة أمام الانتقال: في "كلب بريجيت باردو"، يتحدث عبد الغفار "... عبد الستار لم يصدق هذا الكلام. لم أصدقه طبعا، هذا خرط حكي." (ص 65).
السمتان مبثوثتان في القصص كلها، وسوف نلاحظ أن السرد يتخذ صيغة أكثر جمالا، وأكثر فنا في قصص تسير على السياق الآخر للكاتب. في قصة "الاحتفال" التي يتذكر فيها مسن مريض، علاقته القديمة بامرأة تنام على سرير مواجه، وتتذكر هي، تختلط الرؤية بشكل جمالي، وغير غامض أيضا "كأنها تعرفني، كأنني أعرفها، ترسل نحوي نظرات سريعة ثم تغض بصرها... ينظر نحوي بفضول، كأنه يعرفني، أو ربما لم يعرفني ... حسدت أحمد وهو يلتصق بأبيه في مثل هذا الاحتفال الذي لم أشهد مثله من قبل. لم يكن أبي قريبا مني لكي ألتصق به، فهو مشغول بالدبكة وبالغناء. أبصرتها وهي تقف وحيدة، جذبني إليها شيء ما. ابتعدت بخفة عن أبي حينما رأيته منشغلا بالحديث مع بعض الرجال، ركضت نحوها. قبضت على يدها دون تردد، قلت لها: هيا بنا. انطلقنا نمشي، يدي مستسلمة في يده. لم أعد خائفة من أي شيء ... ركضت مبتعدة عدة خطوات، اختارت حجرا متطاولا وعادت تضمه إلى صدرها. ضممته إلى صدري، هززته بين ذراعي، هدهدته بحنان ... نظرت إلى وجهها وهي تناغي الولد، أحببت وجهها، نظرت إلى الولد، ليته ينام ... نمنا دقيقة أو دقيقتين، جسدها دافئ، جسده حار". (ص ص90،92،93).
وليس هذا هو التشابه الوحيد في السمات بين مجموع القصص، لأن الكاتب يملك أسلوبه الخاص الذي يحافظ عليه منذ بدأ، وهو ينسحب على كل ما كتب، خاصة في موضوع العناية باللغة. كما أن ما تقوله القصص يكاد يشكل نغمة متواصلة: إنها تقدم صورة لمجتمع يعيش أزماته، دون أن تفتعل شيئا يميل بالكتابة نحو المبالغة أو حتى الرومانسية، فلا نكاد نرى صورا مجانية مستهلكة عن الأرض وجمالها، ولا الناس وتاريخهم النضالي، ولا نسمع أغاني فولكلورية خارج السياق، لأن الكاتب ملتزم بالانضباط الذي لا يسمح للقصة بالخروج عن مسارها أمام أي إغراء، في معظم ما يكتب.
ولأن المجتمع يعيش تحت الاحتلال، فقد كان طبيعيا أن تتسم معظم القصص بحالة من الترقب (ترقب) أو الانتظار (شظايا) أو الغموض (مقهى آخر)، وأن تنتهي بالشكوك (فضاء) أو بالهروب الواقعي (مصعد، الجراد) أو المعنوي (ذكرى)، أو بالفقدان (الحفلة)، أو بالإحباط (خريف غامض، هرم، إحساس ما)، حتى على المستوى الإنساني الفردي: في قصة "ضريح" التي تنتمي إلى أسلوب الكاتب في مجموعاته السابقة، والتي لا تقع تحت الاحتلال، وإنما إلى جانب ضريح شيد في ذكرى حب كبير، يرتعش القلب لامرأة، لكنها تتحدث عن زوج بعيد تحبه، وكأنه يجلس إلى جانبها، ثم تبتعد عن الضريح، "تدرج مثل حمامة فوق الطريق المبلط، وهي محاطة عن يمينها وعن شمالها برجلين" (ص20)، غير الرجل الذي ارتعش قلبه.
لكن كل هذه النهايات السلبية تكاد تقف عاجزة أمام الحب، ومما يلفت النظر في هذه القصص، أن الحب وحده هو الذي يمنح الإنسان صيغة للحياة، حتى يظن أنه يجيء خارج سياق الاحتلال: "الغابة" مثلا بعيدة، لذلك يكون اللقاء الإنساني، بين رجل وامرأة، سلسا ومعديا أيضا. كما أن "لاريسا" تستجيب لخفقات القلب واليد في أرض بعيدة، وكأن القصص تكاد تحرم الإنسان من القدرة على الحب تحت الاحتلال، إلا قليلا، ليظل الإنسان في حالة من الوهم(حيرة)، أو من الهلوسة (الجراد). وتستطيع قصة "رقص" أن تلخص كل هذا الواقع، حين تعيد بناء العلاقات بعيدا، ثم تعيد تفكيكها من جديد، من اقتراب زمن العودة، باعتبارها واحدة من أبلغ قصص المجموعة في تصوير واقع، وفي تحليل دواخله وصيرورته التي تجعل مشهد الرقص مثل فولكلور معاد، وتجعل الفندق مثل المتاهة، لا يصل الإنسان فيه إلى غرفته الشبيهة بآلاف الغرف، إلا بعد الفجر بقليل؟ (ص 88).
يمكن بالتأكيد طرح التساؤل الذي يدور في أذهان الكثيرين حول سبب اختيار الكاتب لمثل هذا النمط من القص، الذي يبدو غريبا، وقد لا يستسيغه بعض القراء قبل التعود عليه، رغم تفوقه في تجاربه السابقة، ويمكن بالتأكيد الرد عبر التجارب السابقة نفسها، لأنها كانت تحتمل التساؤل ذاته، خصوصا تجارب القصص القصيرة جدا، وذلك بالقول إن الكاتب يعرف أن خوض التجربة أساس في الاستمرار، لأنها قادرة على تجنب تكرار يخلق العادة، ويثير الملل، ويقضي على دهشة القراءة، أهم ما يجذب الناس إلى الكتابة ككل، ليس هذا وحسب، ولكنها مغامرة الدخول في أجواء غير مطروقة من قبل، لأنها وحدها تميز أصالة الكاتب.
يضاف إلى ذلك أن هذه التجربة منحت الكاتب بالذات فرصة جديدة في طول النفس، فمحمود شقير، الذي كرس قلمه للقصص القصيرة، ولأخرى أقصر، وجد في هذا النوع من المادة الكتابية، المستقاة من الاهتمامات اليومية للناس، ما يمنحه نفسا أطول، سيكون مقدمة لمغامرات أخرى. وهنا يشار إلى أن قصص الحالات التي تتصدر الإعلام، إذا صحت التسمية، أطول نسبيا من غيرها، وإذا وجد ما هو بطولها، في المجموعة ذاتها، فهو أقل انضباطا، كما هو الحال في قصة " في زمن آخر"، أطول القصص، التي توحي ببعض القفزات في الأحداث، وتكاد تشي بأنها ظل جديد، لكتاب "ظل آخر للمدينة"، وإن كانت عن رام الله الستينات، بدلا من القدس .
---------
*من كتاب "من اللغة إلى الكتابة" وليد أبو بكر/ منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب الفلسطينيين/ رام الله، فلسطين 2026 .
مواضيع ذات صلة