الطيب عبد الرحيم.. سليل الإرث وحارس الأثر وشاهد الموقف
سعيد أحمد

من مزايا الرجال الذين تصقلهم التجارب، وتكشف معادنهم تقلبات المراحل، أنهم يدركون أن الصفح ليس ضعفًا، وأن التسامح ليس تنازلًا عن الحق، وأن القدرة على التعايش مع الاختلاف تمثل وجهًا من وجوه النضج والحكمة واتساع الأفق. فهم لا يجعلون الخلاف سجنًا للعلاقات، ولا يسمحون للتباين في الرأي أن يتحول إلى خصومة دائمة، ولا يختزلون الناس في لحظة اختلاف عابرة؛ لأنهم يدركون أن الحياة أوسع من المواقف الآنية، وأن الأوطان أكبر من الحسابات الضيقة، وأن ما يجمع الناس من قيم ومصائر ومسؤوليات ينبغي أن يبقى أعمق من كل ما يفرقهم.
ومن مزايا الذين يحملون إرث الشهداء أن يدركوا أن هذا الإرث ليس حكاية تُروى في المناسبات، ولا أسماء تُستحضر عند الحاجة إلى استنهاض العواطف، ولا ذاكرة تُستدعى ثم تُترك لمهب النسيان؛ إنه مسؤولية أخلاقية ووطنية متجددة، تتطلب أن يظل حاضرًا في الموقف، وفي السلوك، وفي طريقة النظر إلى الناس والقضايا، وفي الانحياز الدائم إلى الحرية والكرامة والعدالة والحق الفلسطيني. فالشهداء يتركون خلفهم معاني تستوجب الوفاء، وقيمًا تستحق الحماية، وتضحيات تفرض على الأحياء أن يكونوا أوفياء لما آمنوا به، لا أن يكتفوا بالحديث عما قدمه الراحلون.
وهذا بعض من كل ما يمكن أن يُقال في الطيب عبد الرحيم؛ الرجل الذي ارتبط اسمه بإرث وطني، وبمسيرة تركت أثرها في ميادين متعددة، وبحضور لم يكن مجرد حضور اسم أو موقع، بل حضور موقف وتجربة واختبار. فالرجال لا تُعرف قيمتهم بما يُقال عنهم في لحظات الوفاق وحدها، وإنما بما تكشفه الأيام عن ثباتهم، وبما تتركه التجارب من شواهد على خياراتهم، وبما يظل قائمًا من أثرهم حين تتغير الظروف، وتتبدل الأولويات، وتتراجع الضوضاء التي أحاطت بالمراحل.
لقد كان الطيب عبد الرحيم، في كل ميدان اختبرته فيه الحياة والمسؤولية، عنوانًا لحضور يتجاوز اللحظة العابرة، ويستند إلى رصيد من التجربة والانتماء، وإلى ما يحمله من إرث وطني وإنساني. ولعل قيمة هذا الحضور لا تكمن في غياب الاختلاف أو انعدام التحديات، فذلك مما لا تخلو منه حياة عامة أو تجربة وطنية، بل في القدرة على عبور المراحل بما تفرضه من تعقيدات، والمحافظة على جوهر الانتماء، والإبقاء على الصلة الحية بالقيم التي تمنح الموقف معناه، والتجربة مشروعيتها الأخلاقية.
إن الحديث عن الطيب عبد الرحيم هو، في جانب منه، حديث عن معنى الوفاء للإرث الوطني، وعن معنى الرحمة حين تشتد الخصومات، وعن معنى الأمانة حين تتغير موازين المصالح، وعن معنى الانتماء حين يحتاج الوطن إلى من يراه بعين الأبوة والأخو. وهو حديث عن أن نقاء القلب الوطني لا ينفصل عن احترام الإنسان، وأن الانحياز لفلسطين لا يكتمل إلا بالانحياز إلى قيمها الحية: الحرية والكرامة والعدالة، وحق الإنسان الفلسطيني في الحياة الآمنة والكريمة، والوحدة التي لا تلغي الاختلاف، والمسؤولية التي لا تنفصل عن الضمير.
هو الطيب عبد الرحيم، الذي لم يترك في ذاكرة من عرفوه وتعاملوا معه أثر ألم، ولا وخزة ظلم، ولا جرحًا صنعته قسوة أو استعلاء، بل ترك أثر الإنسان الذي تُعرف قيمته بما يصونه في الآخرين من كرامة، وبما يتركه في نفوسهم من احترام، وبما يحفظه من نقاء العلاقة.
وهو الطيب الذي لا تحتاج وطنيته إلى شهادات عابرة، ولا تحتاج مواقفه إلى من يمنحها شرعية من خارج تاريخها؛ فقد كانت سيرته ومسيرته، بما حملتاه من مواقف وانحيازات واختبارات، أبلغ من كثير من الشهادات، وأصدق من محاولات التقييم التي تصدرها المصالح أو تستدعيها حسابات اللحظة. فهناك رجال لا يحتاجون إلى من يعرّف الناس بهم بقدر ما يحتاج الناس إلى العودة إلى سيرتهم، وقراءة مسيرتهم بإنصاف، والتوقف أمام مواقفهم بوعي، واستحضار ما انطوت عليه تجاربهم من معانٍ وطنية وإنسانية لا تُختزل في رواية عابرة، ولا تُمحى بتبدل الأزمنة والأولويات.
وهكذا يبقى الطيب، بما تمثله سيرته من تجربة وموقف وإرث، أكبر من محاولات الاختزال، وأبقى من هذي العابرين؛ لأن ما يُبنى على الصدق لا يحتاج إلى ادعاء، وما يتأسس على الموقف لا تهزمه ضوضاء اللحظة، وما تتركه القيم الحقيقية في وجدان الناس لا يستطيع غبار ناعق أن يحجبه.
مواضيع ذات صلة