سناء السرغلي تجسد الأكاديمية الدبلوماسية وتنقل صوت فلسطين إلى العالم

رام الله- الحياة الجديدة- عبير البرغوثي- من مكتبة بلدية متواضعة في طفولتها إلى مشاركتها في إطلاق كرسي الدراسات الفلسطينية في جامعة برشلونة، تحمل الأكاديمية سناء السرغلي إيمانًا بأن المعرفة لا تكتفي بتفسير العالم، بل تمنح الناس القدرة على مساءلته وتغييره، حيث كانت تلك المكتبة نافذتها الأولى على عالم أوسع من حدود المدينة التي نشأت فيها. هناك، وبين صفحات الروايات والكتب، بدأت تتشكل علاقة مبكرة بالمعرفة، عززتها عائلة آمنت بالتعليم، وأب أهداها كتاب "خارج المكان" لإدوارد سعيد، وأحاديث فتحت أمامها أسئلة عن الهوية والانتماء والعالم.
وجدت الطفلة في القراءة جواز سفر إلى مدن وثقافات لم تعرفها، لكنها لم تتخيل يومًا أن تقودها رحلتها يومًا إلى قاعات الجامعات البريطانية، ومنابر المؤسسات الدولية، وصولًا إلى جامعة برشلونة الإسبانية، حيث شاركت في إطلاق أول كرسي جامعي متخصص بالدراسات الفلسطينية في إسبانيا، وألقت كلمة أكدت فيها أن فلسطين مجتمع ينتج المعرفة، ويمتلك تاريخًا فكريًا وثقافيًا وعلميًا يستحق أن يكون حاضرًا في تشكيل المعرفة الإنسانية، لا مجرد قضية سياسية تُدرس وتُحلل.
بالنسبة لـ د. سناء السرغلي، أستاذة القانون الدستوري في جامعة النجاح الوطنية، يتجاوز إطلاق الكرسي إضافة برنامج أكاديمي جديد إلى الجامعات الأوروبية؛ إذ يفتح الباب أمام سؤال جوهري يتعلق بموقع الفلسطينيين في المؤسسات الأكاديمية العالمية: هل سيبقون موضوعًا للبحث والدراسة، أم يصبحون شركاء في صياغة الأسئلة والمناهج والنظريات التي تنتج المعرفة عن فلسطين والعالم؟
تجيب السرغلي لـ "الحياة الجديدة": "إن فلسطين حاضرة منذ عقود في الجامعات الأوروبية، لكن حضورها ارتبط بدرجة كبيرة بالاحتلال والمفاوضات والتطورات السياسية، وهي موضوعات لا يمكن تجاهلها، لكنها لا تختصر التجربة الفلسطينية بكل غناها وتعقيداتها". فهناك، كما توضح، تاريخ الفكر الفلسطيني، والأدب والفن، والحركات النسوية، والتاريخ الاجتماعي، والمؤسسات التعليمية، وكلها مجالات تستحق أن تُدرس بوصفها مكونات لمجتمع ينتج المعرفة، لا مجرد مجتمع تدور حوله الأحداث.
وتستحضر في هذا السياق أسئلة المفكر إدوارد سعيد بشأن سلطة تمثيل الآخر، والجهة التي تحدد الإطار الذي تُفهم من خلاله تجربته. فالمشكلة، في نظرها، ليست في أن يدرس باحثون أوروبيون فلسطين، بل في أن يظل الفلسطينيون، في بعض الأحيان، مصادر للمعلومات والشهادات، فيما تُصاغ الأسئلة البحثية والتفسيرات والنظريات بعيدًا عن مشاركتهم.
ومن هنا، ترى الأكاديمية السرغلي أن القيمة الحقيقية لكرسي الدراسات الفلسطينية ستتحدد بقدرته على بناء شراكات أكاديمية متكافئة مع الجامعات والباحثين الفلسطينيين، تتجاوز استضافة الأكاديميين لإلقاء المحاضرات إلى إشراكهم في التدريس وتصميم البرامج والمشاريع البحثية والإشراف العلمي، وتوفير فرص التبادل للطلبة والباحثين.
وتبرق عبر "الحياة الجديدة" تقديرها للبروفيسورة إليساندا كالفيت مارتينيز، حاملة الكرسي ومديرته، ولمؤسسة فيرير الداعمة للمبادرة، ولجامعة برشلونة على احتضان المشروع، معربة عن أملها في أن يتحول إلى مساحة مستدامة للتبادل العلمي والثقافي، وأن يفتح آفاقًا للتعاون مع الجامعات الفلسطينية، بعيدًا عن الصور الجاهزة والاختزالات التي قد تحاصر دراسة فلسطين.
من دراسة فلسطين إلى إعادة التفكير في المعرفة
تنظر السرغلي إلى المشروع باعتباره إمكانية لإعادة النظر في بعض الافتراضات التي تقوم عليها النظريات الأكاديمية نفسها. وتقدم القانون الدستوري مثالًا على ذلك؛ فالكثير من النظريات المتعلقة ببناء الدساتير تنطلق من تجارب دول تمتلك السيادة على أراضيها، أو مجتمعات تنتقل من نظام سياسي إلى آخر، فيما تضع التجربة الفلسطينية الباحث أمام أسئلة مختلفة: كيف يمكن بناء نظام دستوري في ظل الاحتلال وغياب السيادة الكاملة؟ وما معنى الشرعية الدستورية عندما تكون المؤسسات السياسية مقيدة بسلطة تقع خارج النظام الذي تحاول بناءه؟ وكيف تتداخل عملية بناء المؤسسات مع السعي إلى تقرير المصير والتحرر من الاحتلال وإقامة الدولة؟
وترى أن هذه الأسئلة لا تجعل فلسطين حالة استثنائية ينبغي تفسيرها بمعزل عن النظريات العامة، بل تجربة قادرة على كشف حدود بعض الافتراضات التي تستند إليها تلك النظريات، ودفع الباحثين إلى مراجعتها وتطويرها.
لا تقتصر طموحات السرغلي على القانون والسياسة؛ فهي تأمل أن تشمل أبحاث الكرسي الفن الفلسطيني ودوره في تشكيل الهوية وحفظ الذاكرة الجماعية، وتاريخ الفكر والعلم الفلسطيني، وإسهامات الأكاديميين والعلماء الذين عملوا داخل فلسطين وخارجها. وتولي أهمية خاصة لتوثيق الإرث العلمي للأكاديميين الذين فقدتهم غزة، معتبرة أن خسارة الأستاذ الجامعي لا تعني غياب شخص فحسب، بل فقدان تراكم معرفي وعلاقات علمية وأبحاث كان يمكن أن تتطور على امتداد سنوات.
وتتطلع إلى أن تتطور المبادرة مستقبلًا إلى شبكة من الشراكات مع الجامعات والمراكز البحثية المعنية بالدراسات الفلسطينية، وأن تتيح برامج للزمالات البحثية والأساتذة الزائرين، بما يضمن حضور الأكاديميين الفلسطينيين في تصميم المساقات وتدريسها والمشاركة في إنتاج المعرفة في مختلف التخصصات، لا حصر دورهم في الحديث عن فلسطين.
وتشدد على أن هذه التصورات تمثل تطلعات شخصية لما يمكن أن يصبح عليه الكرسي، وليست برامج معلنة أو مقررة، لكنها تعكس رؤيتها لما ينبغي أن تكون عليه الشراكة الأكاديمية: علاقة قائمة على التكافؤ والاحترام المتبادل، يكون فيها الفلسطيني شريكًا في إنتاج المعرفة، لا مجرد صوت يُستدعى للحديث عن تجربته.
من المحطات التي تعتز بها السرغلي، سماح الفنان الفلسطيني الكبير سليمان منصور لها باستخدام لوحته "الحشد المنتظر"، إحدى أربع لوحات تجسّد محطات مفصلية في تاريخ القضية الفلسطينية، غلافاً لأول كتاب شاركت في إعداده مع مجموعة من الأكاديميين حول حالة الاستثناء في العالم العربي وفلسطين. حملت اللوحة بما تختزنه من ذاكرة وطنية ورمزية للصمود والانتظار بُعداً عميقاً، ربط بين الفن والبحث الأكاديمي في التعبير عن التجربة الفلسطينية. سأبقى ممتنة لهذه اللفتة الكريمة التي منحت عملي الأول قيمة رمزية وإنسانية خاصة.
من طولكرم إلى الجامعات الدولية
وراء هذه الرؤية الأكاديمية مسيرة بدأت من طولكرم، حيث درست السرغلي في مدرستي العمرية والعدوية الحكوميتين، ووجدت في عائلتها دعمًا أساسيًا لطموحها. تتحدث باعتزاز عن والدتها التي آمنت بأهمية دور المرأة واستقلال شخصيتها، وعن والدها، الذي تصفه بأنه من أكثر الأشخاص تأثيرًا في تكوينها الفكري، وكان يرى في القراءة مفتاحًا للعالم.
وتستعيد د. سناء السرغلي في سياق حديثها لـ "الحياة الجديدة" تجربتها مع "فريق اليراعات" في مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي، حيث كانت تحصل، مع زملائها، على جواز سفر بلون مختلف كلما انتهوا من قراءة عدد من الكتب والروايات. وتقول: إن هذه الفكرة البسيطة حملت معنى عميقًا لطفل فلسطيني لا تتاح له حرية الحركة والسفر كما تتاح لأطفال كثيرين في العالم؛ فالقراءة كانت تمنحهم فرصة لاكتشاف مدن ومجتمعات وثقافات لم يستطيعوا الوصول إليها فعليًا.
وتضيف أن هذه التجربة ساهمت في تشكيل قناعتها بأن الجغرافيا لا تحدد وحدها حدود العالم الذي يستطيع الإنسان اكتشافه، وأن التعليم بالنسبة إلى الفلسطينيين وسيلة لتوسيع الفرص والحفاظ على الحضور الفكري والثقافي رغم القيود السياسية.
بعد تخرجها في جامعة النجاح الوطنية في المرتبة الأولى على كليتها، حصلت سناء السرغلي على منحة لاستكمال دراستها في بريطانيا ضمن برنامج ابتعاث الطلبة المتفوقين. درست الماجستير في جامعة دورهام، ثم انتقلت إلى جامعة لانكستر لنيل الدكتوراة في القانون الدستوري، بدعم من جامعتها الأم.
وتصف تجربتها في بريطانيا بأنها فرصة لتوسيع فهمها للمشاركة والتمثيل والعمل الجامعي. فقد انخرطت في الأنشطة الطلابية، وتولت مسؤوليات في تمثيل طلبة الدراسات العليا، وشغلت منصب مساعد عميد الكلية التي يقيم فيها الطلبة في جامعة لانكستر، وكانت أول امرأة عربية تتولى هذا الدور في الكلية.
وفي عام 2016، حصلت على الدكتوراة في القانون الدستوري، في إنجاز تصفه بأنه ثمرة سنوات من العمل والتخطيط. وتقول لـ "الحياة الجديدة": إن اختيار تخصصها ارتبط بسؤال طرحه عليها عميد كلية القانون في جامعة النجاح قبل سفرها: ما التخصص الذي ستحتاجه فلسطين خلال السنوات العشر المقبلة؟ وكان القانون الدستوري، بما يتيحه من أدوات لفهم توزيع السلطة وتصميم المؤسسات والعلاقة بين مكوناتها، جوابًا عن ذلك السؤال.
ركز بحثها على التصور المستقبلي للدستور الفلسطيني في حال الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وتناول النظام شبه الرئاسي وتطور الحكومات الفلسطينية منذ اعتماد هذا النظام عام 2003. وعندما عادت إلى فلسطين، حملت معها قناعة بأن الطلبة يستحقون تعليمًا دستوريًا يؤسس للنظرية والتصميم الدستوري والدراسات المقارنة، ويمنحهم القدرة على تحليل الأنظمة الدستورية المختلفة، لا التجربة الفلسطينية وحدها.
أما كونها أول امرأة فلسطينية تحصل على الدكتوراة في القانون الدستوري من جامعة لانكستر، فتستقبله بمزيج من الفخر والأسى؛ الأول يرتبط بإنجاز تعتز به، والثاني بما يعكسه من محدودية حضور الفلسطينيات في هذا التخصص. وتأمل أن يأتي يوم لا يكون فيه السؤال من كانت الأولى أو الثانية، بل ما الذي أضافته النساء إلى المعرفة الدستورية، وكيف أسهمن في تطويرها.
المعرفة مسؤولية تتجاوز أسوار الجامعة
لم تنفصل مسيرة السرغلي الأكاديمية عن تجربتها المبكرة في الإعلام والعمل المجتمعي. فقد بدأت العمل الإعلامي في سن صغيرة في تلفزيون الفجر بطولكرم، ثم شاركت في إنتاج أفلام وثائقية، كما ارتبطت بمؤسسة تنمية وإعلام المرأة "تام"، التي بدأت العمل معها في الثامنة عشرة من عمرها، قبل أن تنتخب لاحقًا رئيسة لمجلس إدارتها.
ومن خلال هذه التجارب، أدركت السرغلي أهمية الطريقة التي تُروى بها القصص، والأصوات التي تُمنح مساحة في النقاش العام، ومن يملك حق طرح الأسئلة وتحديد القضايا التي تستحق الاهتمام. وفي برنامج "تام تايم"، الذي شاركت في تقديمه، عملت على توسيع حضور النساء في النقاش العام، بحيث لا يقتصر على القضايا المصنفة باعتبارها نسائية، بل يشمل السياسة والاقتصاد وسائر القضايا التي تحدد مستقبل المجتمع.
وتقول في سياق إجاباتها على أسئلة "الحياة الجديدة" إن الإعلام علمها الإصغاء إلى الإنسان والانتباه إلى التفاصيل التي قد تختفي خلف اللغة السياسية والقانونية، فيما منحها القانون أدوات لفهم البنى والمؤسسات التي تقف خلف الأحداث. وهي لا ترى تعارضًا بين المجالين، بل تعتبر أن الجمع بينهما أتاح لها الانتقال من التجربة الفردية إلى السؤال العام، ومن وصف الحدث إلى تحليل القواعد التي سمحت بحدوثه.
وتنعكس هذه القناعة أيضًا في اهتمامها بإيصال المعرفة إلى الجمهور. وخلال دراستها في جامعة لانكستر، ساهمت في تأسيس مبادرة لمساعدة طلبة الدكتوراة على تقديم أبحاثهم بصورة واضحة وجذابة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، من دون التضحية بعمقها العلمي. لأن البحث، في نظرها، لا ينبغي أن يبقى حبيس المجلات المتخصصة، بل يجب أن يكون قادرًا على الوصول إلى الناس ومساعدتهم في فهم المؤسسات والسياسات والقضايا التي تؤثر في حياتهم.
في جامعة النجاح، شاركت السرغلي في حملة للتوعية الدستورية خلال جائحة كورونا، بالتعاون مع طلبة من جامعات فلسطينية ومؤسسات مجتمعية، من بينها "تام" و"مفتاح". وأنتجت الحملة مواد مصورة وأدوات مبسطة لشرح الحقوق الدستورية وعلاقة المواطن بالمؤسسات وأهمية المشاركة والمساءلة، وما زالت بعض هذه المواد تُستخدم في أنشطة التوعية.
وتعتبر السرغلي أن قيمة هذه التجربة تكمن في استمرار أثرها بعد انتهاء الحملة، وفي تحول مبادرة انطلقت من الجامعة إلى أدوات معرفية قابلة للاستخدام والتطوير. فالجامعة، كما تؤمن، لا تقاس رسالتها بما يجري داخل قاعات التدريس وحدها، بل بقدرتها على إنتاج معرفة تصل إلى المجتمع وتساعده على فهم واقعه ومساءلته.
التعليم الفلسطيني.. من الصمود إلى إنتاج المعرفة
يتصل اهتمام السرغلي بالمعرفة أيضًا بمشاركتها في النقاشات الدولية المتعلقة بحماية التعليم من الهجمات، حيث ترى أن حضور الأكاديميين الفلسطينيين في المؤسسات الدولية ضروري لربط المبادئ والسياسات بالواقع الذي تعيشه المؤسسات التعليمية والطلبة والأساتذة في فلسطين.
وتشدد على أن حماية التعليم لا ينبغي أن تقتصر على الاستجابة الإنسانية بعد وقوع الضرر، بل يجب أن تشمل الوقاية من الهجمات، وضمان استمرار التعليم أثناء النزاعات، والمساءلة، وإعادة بناء المؤسسات التعليمية. فعندما تُدمَّر جامعة أو تُفقد مكتبة أو يُقتل أستاذ، لا تتوقف الخسارة عند المبنى أو الشخص، بل تمتد إلى المعرفة التي كان يمكن إنتاجها ونقلها إلى الأجيال المقبلة.
وفي هذا السياق، تحذر من أن يتحول صمود الجامعات الفلسطينية إلى المعيار الوحيد للنجاح، على حساب جودة التعليم والبحث العلمي. لأن الجامعة، في رأيها، لا تؤدي رسالتها بقدرتها على إنتاج المعرفة، وتطوير البحث، وتعليم الطلبة التفكير النقدي واحترام الاختلاف والمشاركة في اتخاذ القرار، لا بمجرد استمرار المحاضرات والامتحانات.
وتدعو عبر "الحياة الجديدة" إلى الاستثمار في البحث العلمي، وتحديث أساليب التدريس والتقييم، وتوسيع الشراكات الأكاديمية الدولية على أساس الاستدامة والتكافؤ، لا الاكتفاء بمشاريع قصيرة تنتهي بانتهاء التمويل. كما ترى أن الجامعات يجب أن تكون مساحات يتعلم فيها الطلبة الديمقراطية بوصفها ممارسة يومية، من خلال التمثيل والمساءلة والحوار وإدارة الخلاف.
أما ما تتعرض له المؤسسات التعليمية في غزة، فتراه خسارة تتجاوز تدمير المباني إلى تهديد الحياة الأكاديمية نفسها، بما تشمل من طلبة انقطعت دراستهم، وأساتذة وعلماء فقدهم المجتمع، وخبرات ومعارف تراكمت عبر أجيال. ولذلك، فإن إعادة البناء، كما تؤكد، ينبغي أن تشمل استعادة القدرات التدريسية والبحثية وإعادة وصل الجامعات بشبكات التعاون العلمي.
وترى أن السرغلي أن الفلسطينية تستحق التقدير لقدرتها على الاستمرار رغم الظروف السياسية والاقتصادية الصعبة. وتدعو الى الحذر من تحويل الصمود إلى معيار وحيد للنجاح. فالجامعة لا تؤدي رسالتها كاملة بمجرد استمرار المحاضرات والامتحانات. وظيفتها الأساسية هي إنتاج المعرفة، وتطوير البحث العلمي، وإعداد طلبة يمتلكون القدرة على التفكير النقدي والمشاركة الفاعلة في مجتمعاتهم وفي العالم.
وترى أيضًا أن دور الجامعة يتجاوز التعليم والبحث العلمي بمعناهما التقليدي. فالجامعة يجب أن تكون مساحة يتعلم فيها الطلبة كيفية التعامل مع اختلاف الرأي واحترامه، وكيفية إدارة الحوار والخلاف، وممارسة المسؤولية الجماعية، والمشاركة في اتخاذ القرار. وإذا كنا نريد بناء مجتمع ديمقراطي، فعلينا أن نسأل أنفسنا: أين يتعلم الجيل الجديد الديمقراطية بوصفها ممارسة يومية، وليس مجرد مفهوم نظري؟
وتدعو السرغلي الى إعادة التفكير في دور الاتحادات الطلابية داخل الجامعات الفلسطينية. فهذه الأطر ينبغي ألا تكون مجرد ساحات للتنافس السياسي أو امتدادًا للاستقطابات القائمة خارج الجامعة، بل مؤسسات يتعلم الطلبة من خلالها التمثيل والمساءلة والتفاوض واحترام نتائج الاختلاف. وتعتبر أن الجامعة يمكن أن تكون نموذجًا مصغرًا للمجتمع الديمقراطي الذي نطمح إلى بنائه، ومساحة تحتضن الإبداع والمبادرة وتمنح الشباب فرصة لتجربة القيادة وتحمل المسؤولية.
من النظرية إلى التطبيق.. خبرة دستورية فلسطينية تتجاوز الحدود
شهدت مسيرة السرغلي، الأكاديمية حضوراً دولياً لافتاً، من مشاركتتها في أعمال لجنة وضع المرأة التابعة للأمم المتحدة CSW))، إلى تجاربك الأخيرة في إندونيسيا وبنغلاديش. وتؤمن السرغلي بأن التصميم الدستوري لا يكتمل بالنظرية وحدها، بل يتطلب الانخراط في التجارب العملية. وتقول: "أسهم تعاوني مع المؤسسات النسوية الفلسطينية، وخاصة «تام » و«مفتاح»، في إثراء معرفتي من خلال التعلم من تجارب الفلسطينيات وحركتهن النسوية الغنية. وتعزز ذلك بعملي لأربع سنوات مع النساء صانعات الدساتير، ومشاركتي في لقاءات لجنة وضع المرأة بالأمم المتحدة، وصولاً إلى مشاركتي عام 2025 في صياغة الدستور المؤقت لفلسطين، التي شكلت انتقالاً مهماً من النظرية إلى التطبيق.
ما تعتز به هو دعوة استاذة فلسطينية متخصصة في التصميم الدستوري للمساهمة في نقاشات التصميم الدستوري ليس فقط في الوطن العربي و انما في إندونيسيا وبنغلاديش. فهذا الحضور هو ثمرة سنوات من البحث والعمل والتعاون مع المؤسسات النسوية، ويؤكد أن الخبرة الأكاديمية الفلسطينية قادرة على تجاوز حدودها المحلية، والإسهام في تطوير التجارب الدستورية وإنتاج المعرفة على المستوى الدولي.
فلسطين.. انتماء لا يتعارض مع استقلال الفكر
على امتداد انتقالها من طولكرم إلى بريطانيا، ثم إلى التدريس والمشاركة في المؤسسات الدولية، تقول السرغلي لـ "الحياة الجديدة": إن ما لم يتغير فيها هو فضولها تجاه العالم وإيمانها بأن المعرفة توسع حدود التجربة الإنسانية. لكنها ترى أن المسافة لم تجعل فلسطين أبعد عنها، بل منحتها قدرة أعمق على فهمها، بكل ما فيها من جمال وتناقضات وقوة وهشاشة.
وتؤكد أن الانتماء الوطني لا يتعارض مع استقلالية الباحثة أو مع حقها في مساءلة الواقع. لان الأكاديمي الفلسطيني، في رأيها، لا ينبغي أن يُختزل في دور الشاهد على قضيته، كما لا ينبغي أن يُطلب منه إثبات جدارته بصورة مضاعفة للحصول على الاعتراف نفسه الذي يحصل عليه الآخرون. وما تطمح إليه هو أن تتاح له فرصة عادلة للمشاركة، وأن يكون لأبحاثه وأفكاره أثر في النقاش العلمي نفسه.
وتختصر رؤيتها في أن المعرفة لا ينبغي أن تكتفي بتفسير العالم، بل أن تمنح الناس القدرة على مساءلته والمشاركة في تغييره. وهي الرؤية التي تأمل أن يحملها كرسي الدراسات الفلسطينية في جامعة برشلونة؛ فلا يقتصر دوره على فتح مساحة جامعية للحديث عن فلسطين، بل يتيح للفلسطينيين المشاركة في تشكيل المعرفة التي تنتجها الجامعة عن فلسطين وعن العالم.
بين مكتبة طولكرم التي فتحت أمامها أبواب العالم، والجامعة الإسبانية التي تأمل أن تفتح آفاقًا جديدة للمعرفة الفلسطينية، تبدو رحلة د. سناء السرغلي أكثر من مسار أكاديمي فردي؛ إنها دفاع عن حق الفلسطينيين في أن يكونوا منتجين للمعرفة، وأن تُقرأ تجربتهم بما تحمله من أسئلة وإسهامات، لا بما تفرضه عليهم الأحداث وحدها.
مواضيع ذات صلة
سناء السرغلي تجسد الأكاديمية الدبلوماسية وتنقل صوت فلسطين إلى العالم
الاحتلال يشرع بهدم منشآت زراعية وتجارية قرب قرية حداد السياحية جنوب جنين
تصاعد الاعتداءات منذ عام 2022: أكثر من 482 اعتداء منذ بدء موسم الزيتون 2026
رام الله: الاحتلال يداهم منازل في دير أبو مشعل ودير عمار وجمالا
اليوم الوطني للمرأة الفلسطينية: تداعيات العدوان وتحديات الحماية والتمكين
الاحتلال يواصل عدوانه على الخليل لليوم الرابع ويرفع عدد النازحين ويطبق الخناق على مواطني المحافظة
لطمس هويتها التاريخية: الاحتلال يواصل الحفريات وشق الأنفاق أسفل سلوان في القدس