عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 27 تشرين الأول 2026

اليوم الوطني للمرأة الفلسطينية.. الفجوة التي كشفتها الأرقام!

سؤال عالماشي – موفق مطر

 

يُعدّ التقرير الصادر عن الجهاز المركزي الفلسطيني للإحصاء ووزارة شؤون المرأة من أهم التقارير الصادرة عن المؤسسات الرسمية، لما يتضمنه من أرقام تعكس الواقع. وهو تقرير لا يُتوقع أن يختلف فلسطينيان يؤمنان بمبادئ الحرية والتحرر والمساواة والعدل على ما يكشفه من اتساع الفجوة بين التنظير والخطاب والدعاية، من جهة، والوقائع المثبتة التي تستند إلى نتائج موثوقة للدراسات والأبحاث والإحصاء الرسمي، من جهة أخرى.

ونعتقد أن التقرير يحظى بأهمية تستدعي وضعه على طاولة القوى السياسية الوطنية والمنظمات الحقوقية، وكذلك المؤسسات الثقافية والاقتصادية، التي يشكل كل منها ركيزة أساسية في البناء المجتمعي والسياسي الفلسطيني. وإذا انطلقنا من مقولة «المرأة نصف المجتمع»، فقد أكد التقرير هذه الحقيقة، إذ أظهر أن النساء يشكّلن 49% من سكان فلسطين، وفق إحصاءات عام 2025، في الضفة الغربية وقطاع غزة، ونفترض كذلك في القدس الشرقية، مع ملاحظة صعوبة الوصول إلى جميع مناطق فلسطين المحتلة منذ عام 1967.

ويستعرض التقرير بالأرقام فظاعة جرائم منظومة الاحتلال والمستعمرين، ويوثق حيثياتها وما ارتُكب بحق الشعب الفلسطيني في الوطن، وتحديدًا ما أصاب المرأة الفلسطينية، التي تبدو المآسي والمعاناة التي تعيشها أكبر من أن تتحملها الجبال، هي التي تستحق لقب «سيدة الأرض».

وأنصح المهتمين بهذا الشأن بالاطلاع على التقرير المنشور في وسائل الإعلام الرسمية الفلسطينية، ومنها وكالة الأنباء الفلسطينية «وفا» وصحيفة «الحياة الجديدة»، لأننا سنركز هنا على الأرقام التي تضعها مؤسساتنا الرسمية أمام القوى الوطنية والمؤسسات الخاصة والهياكل الريادية، بما يساعد على تحديد السبل الصحيحة لتطبيق الحلول وتنفيذ القرارات الهادفة إلى تمكين المرأة الفلسطينية من حقوقها الطبيعية، ولا سيما إذا لاحظنا الفارق والتناقض الكبيرين بين نسبة الملتحقات بالجامعات ونسبة النساء من مجموع العاطلين عن العمل. ولا بد، في هذا السياق، من التأكيد على أمر بديهي، وهو مدى تأثير الاحتلال والاستعمار الاستيطاني العنصري وجرائم الإبادة والمجازر والتهجير القسري في واقع النمو والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وتحتاج الأرقام الواردة في التقرير بشأن هذا الملف إلى بضع مقالات للوفاء بحقها في التحليل، لكن لا بد من ذكر بعضها لأهميتها. ففي قطاع غزة، «بلغ عدد الأرامل 28,560 امرأة، ونحو 86,290 أسرة ترأسها نساء، بزيادة بلغت 50% منذ بدء حرب الإبادة، أي ما يقارب ربع أسر القطاع، بما يشمل الأرامل والنساء اللواتي غاب أزواجهن بسبب الفقد أو الاعتقال أو الإصابة البالغة». وعلى الصعيد الصحي، تعاني «24,600 امرأة حامل ومرضع من سوء التغذية الحاد، فيما تعرّض نحو 107 آلاف امرأة حامل ومرضع لخطر نقص الرعاية الصحية الأساسية أو انعدامها». وفي الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، هُجّرت 2,400 امرأة من أصل 8,660 مواطنًا، بينهم 3,700 طفل.

سنركز هنا على واقع نتحمل جميعًا مسؤولية تغييره أو تطويره، ونملك القدرة على ذلك، وفقًا للخطط التي وضعتها وزارة شؤون المرأة، والتي تتطلب تكاملًا وطنيًا لا يستثني أحدًا، لتحقيق «المساواة بين الجنسين، وتمكين المرأة، وتعزيز الحماية والمشاركة والتمكين الاقتصادي والمساءلة».

ولنتأمل، بتفكير عميق، أسباب الفوارق الكبيرة التي تكشفها هذه الأرقام. فقد بلغت نسبة الطالبات في الجامعات 66% من مجموع الطلبة، فيما بلغت نسبة الإلمام بالقراءة والكتابة بين النساء 97%، وارتفعت إلى 99% وفقًا لما أورده التقرير. كما بلغت نسبة المعلمات 64% من كوادر المدارس الحكومية. لكن نسبة البطالة بين الشابات من حملة الدبلوم المتوسط فأعلى وصلت إلى 86%، مقابل 70% بين الشبان، في ظل تراجع فرص العمل وتقلص العائد من التعليم.

وخلال الربع الثاني من العام الجاري، أظهرت نتائج المسح أن مشاركة النساء في القوى العاملة لم تتجاوز 18%، فيما بلغ معدل البطالة بينهن 31%. وفي المقابل، بلغت نسبة مشاركة الرجال في سن العمل في القوى العاملة 71%، ووصل معدل البطالة بينهم إلى 27%.

ويكشف التقرير عن تمييز سلبي واضح في الأجور وظروف العمل؛ إذ تتقاضى 32% من العاملات أجورًا تقل عن الحد الأدنى للأجور، وتفتقر 23% من المستخدمات بأجر إلى عقود عمل رسمية، فيما تُحرم 48% منهن من حقوق عمالية أساسية، ما يحد من الحماية والاستقرار الوظيفي والعدالة في العمل. أما في القطاع العام، فلا تتجاوز نسبة النساء في الوظائف القيادية العليا، من مدير عام فأعلى، 17%، رغم أنهن يشكّلن 51% من موظفي القطاع. ولا تتجاوز نسبة النساء 2% في مجالس إدارة الغرف التجارية والصناعية والزراعية، و14% في مجالس إدارة الشركات الخاضعة لرقابة هيئة سوق رأس المال.

ومن المهم التركيز على نسبة تمثيل النساء الفلسطينيات في مواقع صنع القرار، فهذا الأمر بالغ الأهمية. فلم تتجاوز نسبة النساء في القيادات العليا 17%، فيما بلغت نسبة تمثيلهن في المجلس المركزي 29%، ولم تتجاوز 11% في المجلس الوطني! أما الفائزات في انتخابات المجالس والهيئات المحلية، فبلغت نسبتهن 25.6%، في حين لم تتجاوز نسبة النساء في المناصب القيادية بالقطاع العام 17%، رغم أنهن يشكّلن 51% من العاملين فيه.

وهذه فجوات تراها الوزارة والجهاز المركزي للإحصاء، ولا يمكن تجاهلها، نظرًا إلى خطورتها على صلابة البناء الاجتماعي والوطني وتماسكه. ففي قطاعي العدالة والأمن، تبلغ نسبة النساء 25% بين القضاة، و27% في النيابة العامة، و10% في القضاء الشرعي، فيما تتراجع إلى 7% في جهاز الشرطة.

نحتاج إلى انسجام بين الطرح النظري والتطبيق العملي، وإلى استراتيجية وطنية شاملة تستند إلى بحوث ودراسات موضوعية، بعيدة عن المواقف الجاهزة، وعن عقلية المنح والمِنّة الذكورية. ونحتاج كذلك إلى مناهج تعليم وتربية، وإلى توجيه سياسي وديني يستند إلى مبادئ المواطنة والمساواة والعدل.