عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 17 تشرين الأول 2026

الانتخابات الإسرائيلية وتوجّهات المجتمع الإسرائيلي

باسم برهوم

المجتمع الإسرائيلي ليس كأي مجتمع، من زاوية نشأته وبناء دولته، ومن زاوية الأسطورة التي تقف وراء فكرة الشعب اليهودي ودولة إسرائيل، وبسبب الشعور الذي تتم تغذيته لديهم بأنهم وسط بحر من الأعداء. وأخيرًا، هو مجتمع مختلف بما له من امتدادات في الخارج؛ وهو كذلك متعدد الأعراق والأصول. لذلك، تحتاج توجّهات هذا المجتمع إلى معايير ومقاييس مختلفة نوعًا ما، تتجاوز معيار الانتخابات ونتائجها.

في العادة، غالبًا ما تعكس الانتخابات العامة التوجّهات السياسية والفكرية للمجتمعات، وفي أحيان أقل، لا تعكس الانتخابات التوجّهات الحقيقية للمجتمع؛ لأنها قد تعبّر، في تلك الحالات القليلة، عن غضب مؤقت لدى الناخبين، أو رغبة منهم في معاقبة حزب أو قيادة كانت في الحكم. وفي مثل هذه الحالة، لا تعكس الانتخابات بدقة التوجّهات، خصوصًا الفكرية والإيديولوجية منها. ولكن، إذا ما نحّينا جانبًا مثل هذه الاستثناءات، فإن الانتخابات تبقى المؤشر الأهم لتوجّهات المجتمع. وفي إسرائيل، رغم فرادة نشأتها، تُعدّ الانتخابات أحد المؤشرات المهمة على هذه التوجّهات.

وإذا استثنينا فترة الثمانينيات من القرن العشرين وحتى لحظة اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين في مطلع تشرين الثاني/نوفمبر 1995، فإن المجتمع الإسرائيلي كان، في أغلبيته، يتنكر لوجود الشعب الفلسطيني وحقوقه السياسية. وفي تلك الفترة، أي في عقد الثمانينيات، نشأ داخل إسرائيل تيار سياسي يدعو إلى السلام وإلى حل تاريخي مع الشعب الفلسطيني. وقد تمثّل هذا التيار في حركة «السلام الآن»، وكان له وجود وامتدادات داخل معظم الأحزاب الصهيونية، بما في ذلك حزب الليكود، قبل أن يقوم نتنياهو بتحويله إلى حزب يميني متطرف.

نشأت هذه الموجة الإيجابية بفعل اتفاقيات كامب ديفيد مع مصر، وعلى إثر اجتياح شارون للبنان عام 1982، ومحاصرة منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت وإخراجها منها. وتزامن ذلك مع الإفراج عن وثائق إضافية عن حرب عام 1948 وما جرى خلالها من تطهير عرقي ضد الشعب الفلسطيني، مما دفع عددًا من المؤرخين الإسرائيليين إلى إجراء قراءة نقدية لـ"حرب الاستقلال"، التي لم تكن حربًا نظيفة كما تدّعي الرواية الإسرائيلية الرسمية، وأن دولتهم قامت على حساب شعب آخر. وأُطلق على هؤلاء المؤرخين اسم "المؤرخين الجدد".

وبلغ هذا التيار السلمي مرحلة النضوج مع الانتفاضة الفلسطينية الشعبية التي اندلعت في نهاية عام 1987، وهو ما قاد عمليًا إلى توقيع اتفاقيات أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية، التي تضمنت، للمرة الأولى، اعترافًا صهيونيًا رسميًا بوجود الشعب الفلسطيني وبأن لهذا الشعب حقوقًا سياسية. كما وافقت إسرائيل، من خلالها، على مبدأ التفاوض بشأن هذه الحقوق للمرة الأولى في تاريخها، وعلى مناقشة قضايا كانت حتى ذلك الحين تُعدّ خطوطًا حمراء صهيونية، مثل القدس واللاجئين والحدود والاستيطان والمياه. كما اعترفت الاتفاقيات بأن الضفة الغربية وقطاع غزة وحدة جغرافية واحدة، الأمر الذي يمهّد لقيام دولة فلسطينية مستقلة.

بعد اغتيال رابين، جرى الانقلاب اليميني على هذا التيار. ومنذ ذلك الحين، لم تقم قائمة حقيقية لاتجاه واسع يؤمن بأهمية السلام مع الشعب الفلسطيني، بل تعززت القوى اليمينية المتطرفة داخل المجتمع الإسرائيلي، التي ترفض أي اعتراف بوجود الشعب الفلسطيني، وبالتالي ترفض الاعتراف بأي حقوق سياسية له. وعدنا نسمع دعوات إلى تهجير الفلسطينيين وممارسة سياسة التطهير العرقي بحقهم.

هذا التوجه اليميني المتطرف لم ينقلب على السلام مع الشعب الفلسطيني فحسب، بل انقلب أيضًا على الديمقراطية وسيادة القانون في إسرائيل. وقبل ذلك، كان قد نقل الدولة العبرية من اقتصاد شبه اشتراكي إلى اقتصاد حر، مما حدّ من قوة النقابات، وخاصة العمالية منها.

ولليمين المتطرف في إسرائيل جذور عميقة في تاريخ الصهيونية؛ فهو يمتد إلى زمن تأسيس المنظمة الصهيونية ذاتها، في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. وقد أصبح يقود هذا التيار، منذ عشرينيات القرن الماضي، جابوتنسكي، وأُطلق عليه حينها اسم التيار التصحيحي أو التنقيحي. وكان هذا التيار يعتبر أن حدود الدولة اليهودية تمتد إلى شرق نهر الأردن وجنوب سورية ولبنان.

الانتخابات التي ستجري في إسرائيل في السابع والعشرين من الشهر الجاري لن تحمل مؤشرات حاسمة على أي تغير حقيقي في توجّهات الرأي العام الإسرائيلي فيما يتعلق بالمسألة الفلسطينية تحديدًا، ولا في طرق التعامل مع الشعب الفلسطيني. والدليل على ذلك أن استطلاعات الرأي لا تمنح أيًّا من الفريقين المتنافسين حسمًا في مسألة القدرة على تشكيل الحكومة الإسرائيلية القادمة. كما أن الموضوع الفلسطيني لم يكن مطروحًا إلا بقدر استخدامه ورقةً للتخويف من قبل اليمين، عندما طرح نتنياهو شعار «إما فلسطين أو اليمين».

ومن جانبها، لم تجرؤ المعارضة على طرح موقف واضح، أو أنها لا تريد حل الدولتين وغير مقتنعة به، مما يؤكد أن التوجّهات العامة للمجتمع اليهودي لا تزال يمينية ويمينية متطرفة، وأن أفضل أحوالها تتمثل في وجود أقلية تتأرجح بين الوسط واليسار.

أما فيما يتعلق بالموقف الفلسطيني، فإن ما علينا فعله هو قراءة أي متغير إيجابي، مهما كان حجمه، والتعامل مع أي طرف إسرائيلي يتقدم خطوة، ولو صغيرة، نحو فكرة السلام بين الشعبين وفق حل الدولتين. ومن أفدح الأخطاء التي ارتكبناها، في معظم الأحيان، استخدام مصطلح «كلهم نفس الشيء» أو «كلهم واحد»، بمعنى أنه لا اختلاف بين حزب وآخر، أو بين تيار سياسي وفكري وآخر. فإذا كان الأمر كذلك، فلماذا نهتم إلى هذا الحد بالانتخابات الإسرائيلية، ونسارع كل صباح إلى معرفة مؤشرات استطلاعات الرأي؟

صحيح أن دولة إسرائيل نشأت على حساب الشعب الفلسطيني، وصحيح أن الرواية الصهيونية تنفي وجود الفلسطينيين بوصفهم شعبًا له تطلعات وطنية مشروعة، ولكن الصحيح أيضًا أن المجتمع الإسرائيلي يتفاعل مع التطورات. وكما تفاعل، في عقد الثمانينيات ومطلع التسعينيات من القرن العشرين، مع تطورات داخلية وخارجية، فقد يتفاعل مع الحقيقة التي تقول إنه لا يمكن إلغاء وجود الشعب الفلسطيني، وإنه مضطر إلى التفاعل مع هذه الحقيقة. ومهما جرى التنكر لها، فإنها الحقيقة الوحيدة التي لن تزول.