الانتخابات والبيئة الانتخابية
باسم برهوم

إذا سألنا انفسنا: ما هي الانتخابات، وماذا تعني، ولماذا هي مهمة؟ الإجابة عن هذه الأسئلة تمثل مدخلا ضروريا لإبراز اهمية إجرائها في الحالة الفلسطينية الراهنة، ثم نسأل انفسنا بالرغم من الإدراك بأن الانتخابات مهمة: لماذا تم تأجيلها، وكانت معظم الفصائل مع هذا التأجيل؟
علاقة الشعب الفلسطيني مع الديمقراطية غريبة ومعقدة بعض الشيء، وباستثناء مرات محدودة جدا لم يمارس الشعب الفلسطيني حقه الديمقراطي بانتخاب ممثليه وقياداته التشريعية والتنفيذية والقضائية. وفي المرحلة الراهنة هناك جيل كامل لم يمارس هذا الحق في انتخاب ممثليه للمجلس التشريعي او الانتخابات الرئاسية. المرات القليلة التي مارس خلالها الشعب الفلسطيني حقة الديمقراطي الفعلي والحقيقي بالانتخاب هي في عام 1996، بعد تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية، وانتخب الشعب اعضاء المجلس التشريعي وكان عددهم 88 عضوا، كما انتخب بشكل مباشر رئيسه للسلطة الوطنية الفلسطينية، وفي حينها فاز الراحل ياسر عرفات على المرشحة سميحة خليل. ووصف المراقبون الدوليون والمحليون الانتخابات بأنها كانت حرة وديمقراطية ونزيهة.
اما المرة الثانية فهي انتخابات الرئاسة مطلع عام 2005، التي جاءت بعد ان استشهد الرئيس ياسر عرفات، وفاز فيها الرئيس محمود عباس على منافسيه وحصل على اكثر من 62,52 بالمئة من اصوات المقترعين، وكانت هي ايضا انتخابات نزيهة وديمقراطية، ثم جاءت وعلى المنوال ذاته الانتخابات التشريعية مطلع عام 2006، التي كانت آخر انتخابات عامة يمارس فيها الشعب الفلسطيني حقه الديمقراطي.
بالطبع هناك انتخابات المجالس المحلية عام 2005 وفي عدة سنوات لاحقة ولكن هذه الانتخابات محلية ولا تخضع في الغالب لاعتبارات سياسية.
نعود لعلاقة الشعب الفلسطيني مع الديمقراطية والانتخابات. فقبل النكبة لم يمارس الشعب الفلسطيني الانتخابات لاختيار ممثليه وقيادته ولا لمرة واحدة، كان اختيار القيادة يتم بالتوافق وعلى أساس عائلي وعشائري، وبعد النكبة لم يكن بالإمكان إجراء انتخابات بسبب ظروف الشعب الفلسطيني، الذي شرد إلى دول عديدة، وخضع لسيادة وسياسات هذه الدول ولم تكن له أي صفة مستقلة تعبر عن نفسها وإرادتها.
أما في تجربة منظمة التحرير الفلسطينية، وبسبب الظروف سابقة الذكر لم يشارك الشعب الفلسطيني في انتخابات قيادته، ولكن كان اعضاء المجلس الوطني الفلسطيني ينتخبون اعضاء اللجنة التنفيذية ورئيسها خلال دورات المجلس، وغالبا ما كان يتم التوافق على النسب والحصص بين الفصائل.
واليوم هناك جيل فلسطيني كامل لم يمارس حقه في انتخاب ممثليه، وهذا الجيل ربما لا يدرك اهمية الانتخابات، وأنها حق ديمقراطي له وان ممارسة هذا الحق واجب وطني وان أهميتها ان تجري بانتظام، وان صوته هو من يعطي الشرعية لأي برلمان أو للسلطة التنفيذية.
ولكن السؤال: لماذا حرم هذا الجيل من حقه في الانتخابات طوال عقدين من الزمن؟ بعض النخب الفلسطينية اعتاد على لوم السلطة الوطنية والقيادة وحدها على عدم إجراء الانتخابات، والبعض اعتاد لوم الانقسام ويوزع المسؤولية على فتح وحماس، وهناك من كان يرى ان الجميع مسؤول: سلطة وفصائل ومجتمعا مدنيا وحتى الشعب ذاته، لأنهم جميعا لم يقوموا بما يجب القيام به من اجل إجراء الانتخابات، اما السلطة الوطنية والقيادة فقد كانت ترى ان الاحتلال الإسرائيلي وفصل قطاع غزة عن الضفة بعد انقلاب حماس العسكري هناك، وايضا شروط المجتمع الدولي على مشاركة حماس، كانت كلها اسبابا للتأجيل.
من دون شك، ان اي انتخابات تحتاج إلى بيئة مناسبة من اجل اجرائها بشكل سليم ونزيه، اي ما نطلق عليه في السياسة ملاءمة الظروف الذاتية والموضوعية، او ان تكون هذه الظروف مواتية لإجراء انتخابات، خصوصا في الحالة الفلسطينية المعقدة جدا.
فعلى سبيل المثال، الظروف الموضوعية والمقصود بها الاحتلال الإسرائيلي والموقف الدولي والعربي والإقليمي، غالبا ما كان الاحتلال يمثل العقبة الرئيسية خصوصا مع وجود حكومات إسرائيلية يمينية متطرفة، وما فائدة إجراء الانتخابات إذا لم تستجب حماس لشروط المجتمع الدولي، وان نبقى في مربع الأزمة ذاتها، كما ان بعض الدول العربية والإقليمية كانت تغذي الانقسام وتعمقه وتكرس اكثر واكثر مبدأ فصل القطاع عن الضفة.
اما العامل الذاتي فهو لا يقل تعقيدا، وقد يكون الانقسام وفصل القطاع العنوان البارز في هذا الجانب، ولكن لدينا ما هو أكثر من ذلك. مأزق النخب الفلسطينية المرتهن جزء مهم منها للخارج، ومأزق كل فصيل على حدة، ومصادر تمويل هذه الفصائل، الامر الذي يملي عليها اجندات خارجية، والأمر ذاته ينسحب على المجتمع المدني. وهناك عامل آخر وهو مدى تأثير الجزء الكبير من الشعب الفلسطيني الموجود خارج الوطن، واختلاف مصالحه المباشرة عن مصالح من هم في فلسطين.
ولكن مع كل ذلك فإن المخرج من هذا المأزق الكبير هو ان نجري انتخابات، وبشكل منتظم، وان نعمل سلطة وطنية وقيادة وفصائل ومجتمعا مدنيا وشعبا على ان تكون منتظمة، وهذا يحتاج الى وعي عميق بأهمية الانتخابات، وبناء مؤسسات الدولة على أسس ديمقراطية، واهمية شرعية النظام السياسي لاعتراف العالم بالدولة الفلسطينية. ويحتاج إجراؤها إلى جهود جبارة محليا وعربيا ودوليا من اجل تحقيق هذا الهدف لأن الوضع الفلسطيني معقد وإذا اعتمدنا ان تتهيأ البيئة الانتخابية وحدها فلن نجري انتخابات ابدا.
هناك حاجة لادراك اهمية إجراء الانتخابات، وممارسة الحياة السياسية الديمقراطية، وهناك حاجة لتغيير الكثير من سلوكياتنا وما تراكم من سلبيات بسبب غياب الحياة الديمقراطية، لننفض كل ذلك عنا ولنهيئ كل شيء لتجري الانتخابات العامة والرئاسية في 11 أيلول/ سبتمبر القادم، ونبدأ مرحلة جديدة من مراحل نضالنا الوطني.