عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 17 تشرين الأول 2026

"راشيل" و"هايدي"..الضحية الشاهدة على إبادة الإنسان و"الزيتون"

سؤال عالماشي- موفق مطر

عندما تحضر صحفية أجنبية (أمريكية) لتشهد على جرائم المستعمرين الإرهابيين، وتوثّق بالصورة همجيتهم أثناء عملية سفك دماء أشجار الزيتون الفلسطينية، سيكون مصيرها كمصير واحدة من الأشجار المقدسة؛ فقد كسر الإرهابيون المدعومون من حكومة الصهيونية الدينية أحد أضلاعها، وسببوا لها إصابة خطيرة في اليد. وشخّص الأطباء حاجتها إلى إجراء عملية جراحية في أحد أصابعها، إلى جانب جروح قطعية في ورك الصحفية (هايدي ليفين) وساقيها، التي تعمل لصالح صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية. أما سترتها الواقية وشارة الصحافة البارزة، فلم تشكّلا لها حصانة أو ضمانًا للسلامة أمام أكثر من خمسين إرهابيًا من المستعمرين العنصريين، رموها بالحجارة، ثم استكملوا جريمتهم بركلات متتالية، فانكسر أحد أضلاعها، فصارت خلال دقائق "ضحية"، وليس شاهدة وحسب، على جرائم المستعمرين وهجماتهم المسلحة المنظمة على المواطنين الفلسطينيين الذين يسعون في هذه الأيام (موسم قطاف الزيتون) إلى تجديد دماء حيواتهم من زيت هذه الشجرة المباركة والمقدسة، التي باتت، منذ فجر وجود الإنسان على هذه الأرض، مباركةً ومقدسةً.

وبهذه الجريمة، ستبقى حقول الزيتون في قرية أبو فلاح، شمال شرقي رام الله، بالضفة الفلسطينية المحتلة، شاهدةً على عداء هؤلاء للإنسانية وقيمها، وللمهنة النبيلة (الصحافة). ونحمد الله أن الصحفية الأمريكية بقيت على قيد الحياة لتروي شهادتها وتفاصيل الجريمة ووقائعها بحقها وبحق المواطنين الفلسطينيين العُزّل الأبرياء. وربما يدرك الرأي العام الأمريكي والعالمي مدى تأصّل الإرهاب اليهودي العنصري، ويتأكد الذين ما زالوا يشكّون من جريمة قتل المواطنة الأمريكية الشابة (راشيل كوري، 24 عامًا)، سنة 2003، في مدينة رفح، على يد جنود جيش الاحتلال، عندما داستها جرافة عسكرية عمدًا؛ إذ يثبت الشريط المصوّر ذلك، خلال محاولتها منعها من التقدم لهدم مساكن لمواطنين فلسطينيين. فلم تشفع لها جنسيتها الأمريكية، ولا عضويتها في حركة التضامن العالمية (ISM)، فقضت تحت جنزير جرافة (دي 9)، واختلطت دماء محبة السلام بتربة أرض السلام (فلسطين).

ونعتقد، إلى حد الجزم، أن ملف التحقيق الذي وعد به مكتب رئيس حكومة ائتلاف الصهيونية الدينية العنصرية، بنيامين نتنياهو، سيُغلق، وسيُزوَّر ويُحرَّف، كما حدث في ملف قتل المواطنة الأمريكية (راشيل كوري).

ما يجب أن يعرفه العالم أن منظمات الإرهاب الصهيوني الديني، المدعومة من حكومة تحمل ذات التعاميم والمفاهيم الكاهانية، نسبةً إلى الإرهابي مائير كهانا، لا تفرّق بين إنسان وآخر ما داما في جبهة الحياة والحرية والسلام. وأن العدائية تجاه شجر الزيتون مرتبطة بتعاميم عنصرية يتشرّبها شباب منظمات المستعمرين منهجيًا؛ فشجرة الزيتون، إلى جانب مشاريع الاستيلاء على الأرض، تشكّل شاهدًا تاريخيًا على الوجود التاريخي للإنسان الفلسطيني على هذه الأرض.

لذا، نلاحظ تركيز المستعمرين على إحراق الأشجار المعمّرة التي يُقدّر عمرها بمئات السنين، وجرف الأشجار وتكسيرها وقطعها واجتثاثها من جذورها. لكن، هل سيكون بمقدور هؤلاء المستعمرين شطب صفحة أو فصل من كتاب تاريخ البشرية؟ بالتأكيد لا، ما دام هنا على هذه الأرض أهلها وشعبها وحراسها الأوفياء. فهنا إنسان يفخر أمام شعوب الدنيا بامتلاك أكبر شجرة زيتون في العالم، ما زالت تنبض بالحياة وتمنح الإنسان الفلسطيني زيتها، الذي يُعدّ، بالنسبة إلى مواطن هذه الأرض، بمثابة دم مقدس يجدّد به حياته، ويضيء عقله، ويقوّي بنيانه.

هنا، في قرية الولجة القريبة من مهد المسيح، في محافظة بيت لحم، بدولة فلسطين، تتربع "شجرة زيتون الولجة"، التي يبلغ عمرها 6000 عام، على عرش أشجار الزيتون المعمّرة في العالم.

لكن، يجب أن يعرف العالم أن 100 ألف شجرة زيتون، تُعدّ كل واحدة منها بمثابة أحد أبناء المواطن الفلسطيني المزارع صاحب الأرض، قد اقتلعها المستعمرون وجرفوها وأتلفوها، هم وجنود جيش الاحتلال الإسرائيلي، بأوامر سياسية مرتبطة بمشاريع الاستيطان والاستيلاء على الأرض وتغيير ملامحها التاريخية. فليس العمران وحده شاهدًا على تاريخ الإنسان، بل إن هذا الشجر المعمّر والمبارك شاهدٌ أيضًا، بل شاهدٌ مميّز.

كما يجب أن يعلم العالم أن المستعمرين يشنّون حربًا دينية أيضًا على إنسان هذه الأرض المقدسة، وعلى ما في باطنها وعلى وجهها من مقدسات، ومنها شجرة الزيتون، التي تُعدّ مقدسة لدى المواطن الفلسطيني المسيحي والمسلم. ففي الكتاب المقدس، وردت شجرة الزيتون رمزًا للسلام وبداية عودة الحياة بعد الطوفان، حين عادت الحمامة إلى "فلك نوح"، وهي تحمل في منقارها ورقة زيتون خضراء. كما وردت بوصفها "ملكة الأشجار". وفي القرآن الكريم، ورد ذكرها في آيات عديدة، وأقسم الله تعالى بقوله في الآيات الكريمة: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ۝١ وَطُورِ سِينِينَ ۝٢ وَهَٰذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾.

لذا، لا يستغربنّ أحدٌ أن يُبدي الفلسطيني في المهجر استعدادًا وحرصًا على حضور زيت الزيتون الفلسطيني على مائدته، حتى لو كلّفه ذلك عشرة أضعاف ثمن عبوة مماثلة في الحجم والوزن، مورّدة من أسواق أجنبية.

ما يحدث لشجر زيتون فلسطين المحتلة مخطط ممنهج، يُنفّذ ضمن سلسلة جرائم الإبادة، التي تعني، فيما تعنيه في منهج المشروع الاستعماري الصهيوني، ليس اقتلاع جذور الإنسان الفلسطيني من أرض وطنه التاريخي والطبيعي وحسب، بل اقتلاع "إكسير" حياته الطبيعية أيضًا. فإنسان أرض السلام (فلسطين) يحتاج إلى سر قوة البقاء الدائم والخلود، وهذا لا يتحقق بالماء وحده، وإنما بزيت الزيتون الفلسطيني.