هذا السؤال لقادة حماس
سؤال عالماشي - موفق مطر
.jpg)
اتخذ قادة الفرع المسلح لجماعة الإخوان القطبيين، المسمى "حماس"، مليوني مواطن فلسطيني في قطاع غزة بمثابة غابة بشرية للتخفي والاحتماء. فالأنفاق لعسكرها بُنيت تحت شوارع المدن والبلدات والمخيمات، فالتقطت منظومة الاحتلال بجيشها وحكومتها هذا الأمر، واتخذته مبررًا لإطلاق حملة الإبادة لتدمير الحياة ومقوماتها في قطاع غزة. ورغم مضي أكثر من ألف ومئة وخمسة وتسعين يومًا (1195)، فإن تكتيكات مسلحي حماس لم تتغير، فمعظم قادتها العسكريين في الصف الأول والثاني وحتى الثالث استُهدفوا في تجمعات مدنية، أو في بيوتهم! فتقضي عائلاتهم معهم، بما فيهم أطفالهم الأبرياء، وكأنهم لم يعلموا يومًا طبيعة وتعاليم الصهيونية الدينية التي لا تفرق بين طفل وامرأة وشيخ وعجوز ومسلح، فهذا معلوم لكل فلسطيني بالتعلّم أو عبر حكايات النكبة الموروثة.
لا مبرر لجهل الذين لا يقرأون التاريخ، ولا يستخلصون الحكمة من أحداثه، ولا لأولئك المصممين على الاستهانة بجبروت وطغيان حكومة الثلاثي الصهيوني الديني بقيادة نتنياهو؛ لذلك نذكرهم ببعض جذور الإرهاب والجريمة ضد الإنسانية المتأصلة لدى جماعات ومنظمات الصهيونية الدينية، التي كان من المفترض أن تكون في ميدان بصيرة قادة حماس، الساسة منهم والعسكريين. أما مراكزها ومؤسساتها الإعلامية الخاصة والمساندة بمليارات الدولارات، وتلك المخصصة لما يسمى الدراسات والأبحاث، فلم تبصر إلا أمرًا واحدًا، هو: كيفية تكريس الجهود وقدرات ومقدرات الجماعة وفرعها (حماس) لتدمير المشروع الوطني الفلسطيني، دون الانتباه واليقظة تجاه المشروع الصهيوني الديني الذي ما زالت دولة الاحتلال والاستعمار الاستيطاني والعنصرية (إسرائيل) عموده الفقري الأقوى.
ففي عدديها الشهريين مايو/أيار ويونيو/حزيران من سنة 2009، نشرت مجلة «مومِنت» (Moment) الأميركية – ذات توجهات يهودية خالصة – التعاليم ذاتها التي تبنتها المنظمات الصهيونية الإرهابية، ومنها (الهاغانا) و(الإرغون)، منذ إنشائها على أرض وطن الشعب الفلسطيني (فلسطين)، لتنفيذ استراتيجية رئيس المؤتمر الصهيوني هرتزل، الذي دعا لتطبيق حملة "تهجير"، ولكن بالقتل والمجازر الجماعية التي كان ضحاياها نساء وأطفالًا وشيوخًا قبل الرجال والشباب. فهذا الحاخام "مانيس فريدمان" يفصح صراحة عن فحوى مفاهيم الصهيونية الدينية حول الطريقة التي يجب – بمفهومه – على اليهود في فلسطين المحتلة التعامل بها مع الفلسطينيين، بقوله للصحيفة أثناء اللقاء: "إن الطريقة الوحيدة لخوض حرب أخلاقية هي الطريقة اليهودية: دمّر أماكنهم المقدسة، واقتل رجالهم ونساءهم وأطفالهم ومواشيهم.. فأنا لا أؤمن بالأخلاقيات الغربية"!
نستذكر هنا خطابًا لعضو مكتب سياسي حماس، شغل منصب وزير الداخلية في حكومتها، وهو فتحي حماد، الذي فرّ إلى بلاد بعيدة عن فلسطين، ولم يظهر على أرض غزة منذ 7 أكتوبر 2023، حيث قال فيه: "سنبقى نقاتل حتى آخر طفل فينا"! وقال أيضًا، متعهدًا بتوجيه ضربة لجيش الاحتلال: "إذا دخل جيش الاحتلال فإنه سيواجه نساء وأطفالًا بأحزمتهم الناسفة"! والمصيبة في الوعي الفردي والجمعي لدى قادة حماس هو هذا الاستخفاف بالنفس البشرية التي قدّسها الله وفرض إحياؤها لا قتلها أو رميها في التهلكة. فقد سمعنا كثيرًا من هؤلاء، وبأس من استذكار قول رئيس المكتب السياسي لحماس الأسبق موسى أبو مرزوق، عندما سُئل عن جدوى أنفاق حماس في قطاع غزة، ما دام المدنيون الأبرياء هم الضحايا الأعظم في حملة الإبادة التي شُنت عليهم منذ السابع من أكتوبر 2023، إثر هجوم حماس المعلوم بهذا التاريخ، فهو قد قال: «إن الأنفاق بُنيت لقادة ومقاتلي حماس، أما المدنيون فإن دولة الاحتلال (إسرائيل) ووكالة غوث اللاجئين الأونروا تتحملان المسؤولية عنهم، باعتبار أن 75% من سكان غزة من اللاجئين»!
واليوم نعيد صياغة السؤال لقادة حماس، وعلى رأسهم أبو مرزوق ذاته – رغم انعدام قناعتنا بمبرراته الخارجة على مبادئ الإنسانية وقواعد وسلوكيات النضال والقتال الوطني – ونسأله: لماذا يلجأ مسلحو حماس، ومنهم قادة بمراتب متقدمة جدًا، يعلمون يقينًا أنهم مستهدفون، إلى مراكز إيواء النازحين؟ ولماذا يعودون إلى بيوتهم ويجلبون خطر الموت لأطفالهم ونسائهم؟ ألا يدركون تقدم أجهزة الاستطلاع والتجسس الإسرائيلية، ودقتها وقدراتها التدميرية المباشرة؟ ثم لماذا يستهينون بحياة عائلاتهم وبمن حولهم من الأبرياء؟!