وردة ومحمد حب وزاوج تحدى قضبان الاعتقال
أربع سنوات من الإبعاد وزفاف في المنفى بتفاصيل تنتمي إلى الوطن

رام الله- الحياة الجديدة- عبير البرغوثي- في القاهرة، لم يكن اللقاء الأول بين وردة عدنان ومحمد أبو حميد مجرد لحظة عاطفية بعد سنوات من الانتظار، كان وصولًا متأخرًا إلى مشهد ظلّ مؤجلًا منذ أن عُقد قرانهما خلف القضبان. هناك، في مصر التي لم يخترها الاثنان بدايةً لحياتهما، بدأت تفاصيل زفافهما تتشكل؛ فستان أبيض، ملابس وإكسسوارات فلسطينية، أغانٍ من الوطن، وحكاية زوجين جمعهما الحب وفرقهما السجن والإبعاد.
في مقر إقامتهما بالقاهرة، وبين تفاصيل التحضير للزفاف، بدت وردة ومحمد وكأنهما لا يزالان يحاولان تصديق أن هذه اللحظة حدثت فعلًا. سنوات طويلة اختزلت في عناق واحد؛ هو خرج من السجن، وهي وصلت إليه بعد محاولات متكررة للسفر انتهت بالمنع، ثم وجدت نفسها أمام قرار قاسٍ: أن تصل إلى زوجها، لكن بثمن مغادرة فلسطين أربع سنوات. تقول وردة لـ "الحياة الجديدة": إن أكثر من عشر محاولات للسفر إلى مصر فشلت، وكانت في كل مرة تعود من معبر الكرامة، إلى أن لجأت إلى المحكمة العليا الإسرائيلية، التي سمحت لها بالسفر مقابل الإبعاد عن الوطن لأربع سنوات. كان القرار صعبًا، لكنها اختارت اللقاء كما اختارت محمد قبل ذلك وهو محكوم بالمؤبدات، وكأن الحب في قصتهما كان دائمًا قرارًا في مواجهة المستحيل.
قصة محمود ووردة بدأت في مكان مختلف تمامًا عن قاعة الأفراح. في الخامس عشر من أيار عام 2021، عقدت وردة قرانها على محمد، بينما كان يقضي حكمًا بالسجن المؤبد. لم تكن تعرفه كما يعرف الأزواج بعضهم، ولم تكن بينهما حياة مشتركة يمكن استعادتها؛ كانت الزيارات القصيرة خلف الزجاج، والمكالمات المحدودة، ومساحة صغيرة من الوقت يحاولان فيها بناء علاقة كاملة. حتى لحظة اللمس الأولى لم تأتِ إلا في زيارة استثنائية، عندما سمحت سلطات الاحتلال لوردة بزيارة محمد إلى جانب والدته لوداع شقيقه ناصر أبو حميد. يومها احتضنته لثوانٍ، فيما كانت عيون السجانين تراقب المشهد. كانت تلك الثواني، بالنسبة إليها، تختصر سنوات من الانتظار.
ثم جاء الخامس والعشرون من كانون الثاني 2025، اليوم الذي رن فيه هاتف وردة، وجاءها صوت محمد من الطرف الآخر: "وردة حبيبتي.. أنا حر اليوم بس مبعد". خرج محمد من الأسر بعد 21 عامًا ضمن صفقة تبادل، لكن الحرية جاءت منقوصة؛ فبدل أن يعود إلى رام الله، نُقل إلى مصر. أما وردة، التي كانت تتخيل يومًا تأخذه فيه إلى شوارع رام الله، وتريه الأماكن التي تحب، وتحتفل بعودته إلى البيت، فقد وجدت نفسها أمام حدود جديدة تفصلها عنه. وحين مُنعت من السفر إليه، لم يبقَ أمامها سوى الانتظار مرة أخرى.
لكن هذه المرة، كان الانتظار يقود إلى اللقاء. في مطار القاهرة، التقت وردة بمحمد، وكان المشهد بالنسبة إليها الاختصار الأكثر صدقًا لكل ما عاشاه. تصف في سياق حديثها لـ "الحياة الجديدة" لحظة اللقاء بالمشهد الذي يلخص قصة حبهما كلها، بعدما كانت أصعب مراحل حياتها هي الفترة التي فصلتها عنه منذ إبعاده. أما محمد، فيصف لـ "الحياة الجديدة"، وصوله إلى الحرية واللقاء برفيقة دربه بأنه فرح انتظر طويلاً، رغم أن حريته جاءت خارج وطنه. وفي القاهرة وجدا، كما يقولان، مكانًا احتضنهما ومنحهما فرصة أن يعيشا اللحظة التي تأخرت سنوات.
وفي تجهيزات الزفاف، كان واضحًا أن فلسطين لم تكن تفصيلًا يمكن تركه خلف الحدود. أرادا أن تكون حاضرة في الملابس والإكسسوارات والأغاني، حتى اختارا أن تكون أنشودة "طوقني بالهوى" جزءًا من لحظة الدخول إلى قاعة الزفاف. بالنسبة إلى وردة، لم يكن الأمر مجرد اختيار جمالي؛ كان محاولة لأن يحمل العرس المكان الذي حُرما منه، وأن تصبح فلسطين حاضرة في قاعة أقيمت في بلد آخر. وفي هذه المفارقة تحديدًا تكمن خصوصية فرحتهما: زفاف في المنفى، بتفاصيل تنتمي إلى الوطن.
وتقول وردة إن فرحتهما ستكون فرحتين في وقت واحد؛ فرحة حرية محمد وفرحة زفافهما، لكن الفرح نفسه يحمل غصة غياب من رافقت قصتهما في بدايتها. ففي عام 2021، حين ارتبطا وعُقد قرانهما، كانت أم ناصر أبو حميد إلى جانب وردة، بينما كان محمد خلف القضبان. واليوم، وهما يحققان الزفاف الذي انتظراه، تغيب أم ناصر عن المشهد. لذلك تصف وردة زفافهما بأنه "أجمل فرحة وأصعب فرحة" في الوقت نفسه.
محمد ووردة يعرف أحدهما الآخر منذ نحو عشر سنوات، لكن سنوات الأسر جعلت معرفتهما تقوم على الزيارات القصيرة والمكالمات المحدودة، لا على التفاصيل اليومية التي تصنع الحياة الزوجية. لذلك، وبينما يحتفلان بزفافهما، يدركان أن أمامهما مرحلة جديدة تحتاج إلى أن يتعرف كل منهما إلى الآخر من جديد، هذه المرة خارج السجن، لكن داخل بلد جديد ومجتمع وثقافة مختلفين. محمد يتخيل صباحًا عاديًا يحتسي فيه القهوة مع وردة على شرفة، بينما تحلم هي بأن تنجب منه طفلًا وتبني معه عائلة. أحلام صغيرة في ظاهرها، لكنها في حكايتهما تحمل معنى الوصول إلى حياة عادية حُرما منها سنوات طويلة.
ولعل أكثر ما يختصر المسافة التي قطعاها أن الزواج نفسه بدأ قبل أن تبدأ الحياة الزوجية. كان عقد القران في 2021 خلف القضبان، وكان محمد وقتها محكومًا بالمؤبدات، فيما كانت وردة تحاول أن تبني معه علاقة عبر جدار السجن والزجاج ومواعيد الزيارة. وبعد سنوات، جاء الزفاف في القاهرة، بعدما أصبح محمد حرًا لكنه مبعد، وأصبحت وردة إلى جانبه لكنها دفعت هي الأخرى ثمن الوصول إليه: أربع سنوات بعيدًا عن فلسطين. وهكذا، لم يكن العرس نهاية قصة الأسر والإبعاد، بل بداية فصل جديد منها.
وردة لا تخفي أن المستقبل الذي تحلم به بسيط: بيت، طفل، وحياة إلى جوار الرجل الذي اختارته قبل أن تعرف متى ستنتهي سنوات سجنه. ومحمد، الذي أمضى 21 عامًا في الأسر، يريد بدوره أن يتعلم تفاصيل الحياة التي حُرم منها؛ أن يعيش صباحًا عاديًا، وأن يرى الشمس من نافذة بيت، وأن يشارك زوجته يومًا لا تحدده ساعة زيارة أو مكالمة قصيرة.
الوطن يبقى حاضرًا حتى في المكان الذي فرضه الإبعاد. تقول وردة ومحمد إن فلسطين ستظل في القلب والروح مهما اختلفت أماكن وجودهما، وإن الأمل بالعودة إليها لن ينقطع. وبينما يستعدان لارتداء الأبيض، تبدو القاهرة في حكايتهما أكثر من محطة إبعاد؛ تصبح، مؤقتًا، المكان الذي استطاع فيه حب بدأ خلف القضبان أن يجد أخيرًا مساحة للحياة.
وفي القاهرة، حيث التقيا أخيرًا بعد سنواتٍ من السجن والانتظار والإبعاد، لم تكن فرحة وردة ومحمد نهاية الحكاية، بقدر ما كانت استراحةً قصيرة في طريقٍ ما زال عنوانه الوطن. هناك، بين تفاصيل العرس وثيابه وأغانيه الفلسطينية، يحاولان أن يستعيدا ما حُرمَا منه طويلًا: حياةً عادية تبدأ بقهوةٍ صباحية على شرفة، وبيتٍ يجمعهما، وأسرةٍ يحلمان بها.
لكن خلف هذه التفاصيل الصغيرة، يبقى حلم أكبر لا يغيب عن حديثهما: العودة إلى فلسطين. فمصر كانت مكان اللقاء، والعرس محطةً لتعويض سنواتٍ من الغياب، أما الوطن فظل حاضرًا في القلب، كما يقولان، مهما امتدت المسافة. وبين فرحة الحرية ومرارة الإبعاد، تبدأ وردة ومحمد فصلًا جديدًا من حكايتهما، على أمل ألا يكون اللقاء القادم في منفى آخر، بل في وطنٍ يعودان إليه معًا.
مواضيع ذات صلة
دوما..الاستيطان يلتهم الأرض ويحاصر التجمعات البدوية
حزب الخضر البريطاني يتبنى رسميا موقفا مناهضا للصهيونية: أحد أشكال العنصرية
وصول خمسة أسرى محررين إلى مجمع ناصر الطبي في خان يونس
مفتي القدس يبحث في الدوحة تطورات الأوضاع في القدس وفلسطين
سليمية يبحث احتياجات القطاع الزراعي في بلدة عقربا
مستعمرون يقتحمون تجمع وادي أبو هندي ويستولون على 130 رأساً من الأغنام