عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 26 أيلول 2026

الخلَفُ الشبيه في فلسفة الخذلان وإعادة إنتاج الغاب

وفاء داري

ثمة جرح لا يندمل في ذاكرة الأمومة، ليس ذلك الذي يتركه ألم المخاض، بل ذاك الذي ينكأه انفصال (الوعي) حين يكتمل؛ انفصالٌ يحوّل فعلَ الرعاية التاريخي إلى عبءٍ يقتضي التصفية.

كانت البداية مشهدًا أثيرًا لدى مخيلة الوجوديين: لبؤةٌ تتمدّدُ على قارعة الشمس، وشبلٌ يتلمسُ أولى خطاه على جغرافية الفرائص. لم تكن العلاقة حنينًا مجردًا، بل كانت نمطًا من التدريب الحيوي على امتلاك العالم. كان الشبل يستعير حدقةَ أمه ليرى بها، ويطأُ أثرَ خُطواتِها ليختبر ثبات الأرض تحت مخالبه. غير أن الفلسفة حين تتأمل هذا المشهد، لا تقف عند حدود المودة الظاهرة، بل تصغي إلى الوشوشة المضمرة في الغريزة: إن كل غرام بالبقاء يتضمن أحيانًا مشروع نكران.

تقتضي سنّة الطبيعة أن يشتدَّ الساعد. لكن المفارقة لا تكمن في نمو العضل، بل في التحوّل الإدراكي الذي يصيب المعنى؛ حين تتحول (البوصلة)التي وجهت الخطوات الأولى إلى (هدف) يستوجب الإزاحة. الشبل الذي تعلم الكبرياء على ثدي أمه، لم يرَ فيها حين استقام ظهره  ذكريات الحماية ولا عهد الدفء، بل رأى فيها (مساحةً) حيوية يُضايقُه وجودُها. لقد أدرك بلغة السيطرة المجردة أن الأرض لا تتسع لعرشين، وأن سحق الملاذ الأول هو البيان التأسيسي لمملكته القادمة.

ليس الخذلان هنا مأساةً حيوانية؛ فالطبيعة صريحة في قسوتها، بلا مواربة ولا تأنيث للمشاعر. القسوة الحقيقية والشرخ الفلسفي النازف، يبدآن حين نستعير هذا المشهد لنمرره عبر المرآة البشرية. فالأقسى من طرد اللبؤة في العراء، هو أن يُكتشف أن السهم الذي اخترق صدرها صنع من جيناتها؛ أن تجد النفسُ البشريّةُ نفسها ملقاةً على هامش الجفاء بقوة الذين رفعتهم على أكتافها.

إن واقعنا الراهن لم يعد يكتفي باستلهام الغاب، بل قام بتشذيبه وتأطيره أخلاقيًا. لقد حوّلنا الغريزة من صراعٍ بدائيٍ على البقاء إلى (سلوك مؤسساتي) معصرن. نُنشئ المُريدين والمرؤوسين، نسكب في أرواحهم الخبرة والمعرفة، فنمنحهم العدسة التي يبصرون بها العالم، حتى إذا اكتملت أدواتهم، كانت أولى ممارساتهم الاستقلالية هي تهميش المصدر، وطرد السند القديم خارج سور المعنى.

هنا يرتطم الفكر بالأسئلة الأخلاقية الأكثر إيلاماً: هل الخذلان ضريبةٌ حتمية لنمو الوعي؟ أم أن الإنسانية في سعيها للسيطرة وامتلاك النفوذ، قد فقدت حتى النبل العفوي الذي تتمتع به الحيوانات؟ فاللبؤة المطرودة لا تحمل ضغينة، لأنها تخضع لدورة حيوية لا خيار فيها؛ أما الإنسان حين يمارس الطرد والنكران، فهو يفعل ذلك بإرادةٍ واعية، ومعرفةٍ مسبقة بمدى التمزق الذي يتركه في روحِ مَن منحوه الأسباب.

تستلقي الإنسانية اليوم على رماد خيباتها، حين تحولُ التضحيةُ إلى نقطة ضعفٍ يُستفاد منها، ويُستحال الوفاء إلى حطامٍ يتجاوزه العابرون نحو مكاسبهم الشديدة البرودة. إنها الهزيمة الحقيقية: ألا نكتفي بوراثتنا للغابة، بل أن نكون غابةً أكثر قسوة، لأننا ندّعي العقل ونستعمله لتبرير السقوط.