عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 13 أيلول 2026

نور فريتخ.. صوت بيت قديم ونابلس وأغنية للحياة

اختارت أن تغني للحياة والوطن والفرح وآمنت أن الغناء أحد أشكال البقاء

رام الله- الحياة الجديدة- عبير البرغوثي- في صوتها شيء من البيت الأول، من نابلس التي كبرت فيها، ومن أم كانت أول من آمن بأن خلف ذلك الصوت حكاية تستحق أن تسمع. لم تبدأ نور فريتخ رحلتها الفنية من مسرح كبير، بل من لحظة صغيرة في مدرسة، حين التقطت معلمة الموسيقى ما لم تكن نور قد أدركته بعد: أن صوتها ليس مجرد موهبة عابرة، وإنما طريق يمكن أن تمضي فيه.

منذ تلك اللحظة، أخذ الغناء يكبر معها، وكبرت معه أسئلتها عن المكان والهوية والحب والحرية. اختارت أن تجعل من الفن مهنة، وأن تدفع ثمن هذا الاختيار، وأن تحلم بالأوبرا والعالم من دون أن تتخلى عن نابلس التي ما زالت تسكن صوتها. وبين فلسطين التي تروى كثيرا من خلال الألم، وفلسطين التي تريد نور أن يراها العالم أيضا وهي تغني وتحب وتفرح وتحلم، تبدو تجربتها أقرب إلى محاولة لاستعادة حق بسيط: أن يكون للفلسطيني صوت للحياة، لا صوت للحزن وحده.

لم تكن نور تعرف، في بداياتها الأولى، أن الصوت الذي كان يخرج منها عفويا في البيت والمدرسة يمكن أن يصبح ذات يوم طريقا للحياة. كانت تحتاج فقط إلى من يصدق أن في ذلك الصوت شيئا مختلفا، قبل أن تتعلم هي نفسها كيف تصدق ذلك.

في البيت كانت الأم أول من رأى الفنانة قبل أن ترى نور نفسها فنانة. منحتها القوة والمحبة، ثم جاء الأصدقاء والمعلمون والزوج ليشكلوا حول موهبتها دائرة أخرى من الإيمان والدعم. وبين هذه الأصوات التي قالت لها بطريقة أو بأخرى: "أنت قادرة"، بدأت نور تكتشف أن المسألة ليست مجرد صوت جميل.

تستعيد نور في سياق حديثها لـ "الحياة الجديدة" ذكريات ذلك اليوم في المدرسة، حين أبدت معلمة الموسيقى دهشة واضحة من صوتها، وأعجبت بقدراته، فكان إعجاب المعلمة لحظة فاصلة. يومها شعرت نور للمرة الأولى أن ما تملكه ليس احتمالا عابرا، بل موهبة حقيقية يمكن أن تصبح مستقبلا.

ولعل أجمل ما يكشف علاقتها بطفولتها أن أغنية واحدة ما زالت قادرة على إعادتها، في لحظة، إلى بيت العائلة ودفء السنوات الأولى: "يا صبابين الشاي". أغنية تختصر عندها شيئا من رائحة البيت وذاكرة المكان، تماما كما تختصر نابلس في وجدانها أغنية "بيقولوا صغير بلدي" لفيروز.

نابلس بالنسبة إلى نور ليست مدينة غنتها لاحقا، بل مكان ولدت فيه الأغنية داخلها قبل أن تعرف كيف تصوغها. فيها ولدت، وفيها بدأت موهبتها، ولذلك بقيت المدينة في قلبها كما هي، حتى بعدما أصبحت فنانة. لم تتغير نابلس، كما تقول، لـ "الحياة الجديدة" وإنما ربما تغيرت الطريقة التي تراها بها؛ صارت التفاصيل التي كانت تعيشها عادية في طفولتها مادة قابلة للغناء.

 

فلسطين التي لا تبكي فقط

تؤمن نور بأن الأغنية قادرة على استعادة الذاكرة الفلسطينية بكل ما فيها، لكنها لا تريد لهذه الذاكرة أن تختزل في الألم وحده. فالفلسطيني، في نظرها، ليس دائما ضحية، وليس مضطرا لأن يعيش في صورة الباكي التي اعتاد العالم أن يراه من خلالها.

هي لا تؤمن بكثرة البكاء والنواح على الوطن. تريد للفلسطيني أن يغني ويحب ويرقص ويفرح، حتى بأبسط الأشياء، لأن الفرح بالنسبة إليها ليس هروبا من الواقع، بل شكل من أشكال الأمل والبقاء.

ومن هنا يأتي مشروعها "نبض وسلام"، الذي يضع الفرح والسلام في مساحة واحدة. لا ترى نور أن فلسطين مضطرة إلى الاختيار بينهما؛ فهي تحتاج إلى الاثنين معا. بل تذهب أبعد من ذلك حين تقول إن الموسيقى نفسها هي السلام، أو ربما المساحة التي يستطيع الإنسان أن يصل فيها إلى سلام قد تعجز السياسة عن منحه إياه.

ولو أتيح لها أن ترسل أغنية واحدة إلى العالم كي يتعرف إلى فلسطين بعيدا عن صور الحرب والدمار، فلن تتردد في اختيار "زهرة المدائن" لفيروز؛ أغنية تحمل القدس وفلسطين إلى وجدان المستمع من بوابة مختلفة، بوابة الفن والحنين والجمال.

أما الأغنية التي تتمنى لو كانت صاحبة كلماتها، فهي "أنا بتنفس حرية" لجوليا بطرس؛ اختيار يبدو قريبا من رؤيتها للفن باعتباره مساحة للحرية، وليس مجرد أداء صوتي.

 

حين يصبح الحلم قرارا

لم يكن اختيار الفن بالنسبة إلى نور قرارا سهلا من الناحية المادية. تركت أعمالا لا علاقة لها بالموسيقى، واختارت أن تتفرغ للفن، وهي تعرف أن الطريق محفوف بالمخاطرة. لكنها لا تنظر اليوم إلى تلك الخطوة باعتبارها مقامرة.

كان القرار شجاعا، كما تقول، في سياق سرد بعض التفاصيل لـ "الحياة الجديدة" لكنه كان في مكانه. آمنت بأنها ستضحي، وستجد في النهاية نتيجة تستحق تلك التضحية.

وترى أن الفن يستطيع أن يكون مهنة في فلسطين، لكنه يحتاج في بداياته إلى قدر كبير من الصبر والتفاني. فالموهبة وحدها لا تكفي، والطريق إلى أن يصبح الفنان قادرا على الاعتماد على فنه يحتاج وقتا وإصرارا.

ورغم ذلك، يبقى هناك حلم أكبر لم تتخل عنه: الأوبرا. بالنسبة إليها، ليست مجرد مساحة فنية تريد الوصول إليها، بل أيضا إثبات أن الفلسطيني يستطيع أن يحلم بعيدا، وأن يصل إلى أبعد الحدود، حتى إلى الأماكن التي قد تبدو في البداية بعيدة عن واقعه.

 

امرأة تغني في كل مكان

لم تشعر نور بأن كونها امرأة كان سببا في الحكم على اختياراتها الفنية داخل عائلتها؛ فقد نشأت في أسرة متحررة دعمتها ومنحتها مساحة كاملة للتعبير عن رأيها دون خوف.

لكن الطريق لم يكن دائما بهذه السهولة خارج الدائرة العائلية. كان عليها، كما تقول، أن تفكر في المكان الذي تغني فيه، وأن تختار أحيانا أماكن مناسبة ثقافيا للمرأة، وهو ما جعل مجرد القدرة على الغناء في كل مكان تحديا بحد ذاته.

ومع ذلك، تؤكد أن المجتمع الفلسطيني، في غالبيته، متحضر ومثقف ويشجع الفتاة على الفن، وإن كانت الرحلة تحتاج إلى وعي وتوازن بين الرغبة في التعبير ومتطلبات البيئة الاجتماعية.

 

تصفيق من نوع آخر

في حياة الفنان، قد ينسى الكثير من التصفيق، لكن بعض الكلمات تبقى طويلا. تتذكر نور سيدة من الجمهور أهدتها خاتما كانت ترتديه، وقالت لها إن صوتها لامس روحها، ثم بكت من شدة تأثرها به.

ربما كان ذلك الخاتم أكثر من هدية عابرة؛ كان شهادة شخصية على أن الأغنية تستطيع أن تصل إلى مكان لا تصل إليه الكلمات أحيانا.

ولنور أيضا أغنياتها التي لم تجد من الجمهور الاهتمام الذي كانت تتوقعه، ومن بينها "رجعتلك يا حبيبي" لأسمهان، وهي من الأعمال التي تحبها كثيرا رغم أنها لم تنل الحضور الجماهيري الذي كانت تتمناه.

 

نور التي لا تريد أن تغادر

تخشى نور فكرة الهجرة، ليس لأنها تخاف على صوتها أو قدرتها على الاستمرار، بل لأنها تخشى فقدان أشياء أكثر حميمية: قرب الأهل والأصدقاء والمكان. أما نور نفسها، فتؤمن بأنها ستبقى كما هي في أي مكان. لكن سؤال العالمية يظل أكثر تعقيدا. فهي لا تعتقد، للأسف، أن الفنان الفلسطيني يستطيع أن يصبح عالميا من دون أن يغادر فلسطين، ولذلك لا تضع نفسها أمام خيار بين الداخل والخارج. حلمها أن تكون فنانة محبوبة ومعروفة في فلسطين، وأن تصل في الوقت نفسه إلى الجمهور خارجها.

هي تريد الجهتين معا؛ أن يبقى صوتها قريبا من المكان الذي أنجبه، وأن يستطيع في الوقت ذاته أن يعبر حدوده. وفي النهاية، ربما تختصر نور علاقتها بالفن بجملة واحدة: الفلسطيني يحتاج إلى أن يغني، لا لأن الواقع جميل دائما، بل لأن الغناء نفسه يمكن أن يكون طريقة لمقاومة اليأس.

فبين "يا صبابين الشاي" التي تعيدها إلى بيت العائلة، و"زهرة المدائن" التي تختارها لتقديم فلسطين إلى العالم، و"أنا بتنفس حرية" التي تتمنى لو كتبت كلماتها، تمتد رحلة فنانة تحاول أن تحفظ للمكان ذاكرته، وللإنسان حقه في الفرح، وللحلم الفلسطيني مساحته في السماء.