عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 31 آب 2026

سلسلة تاريخ عصر الزيتون.. "البد" وتاريخ المعاصر الحجرية (الحلقة 2)

فياض فياض

تابعنا في الحلقة الأولى في صحيفة "الحياة الجديدة" كيف بدأت رحلة استخراج "الذهب السائل" في فلسطين وحوض المتوسط منذ أكثر من 6 آلاف عام عبر "المرحلة الصخرية البدائية" والدهس بالأقدام في الحفر الطبيعية. واليوم، ننتقل بالزمان لنقف عند محطة هندسية وتراثية بالغة الأهمية شكلت قفزة نوعية في تاريخ الإنتاج والوعي الفلسطيني، وهي مرحلة "المعاصر الحجرية التقليدية" الشهيرة بـ "البد"، والتي أدارها أجدادنا بكفاءة مذهلة وعبر منظومة اجتماعية واقتصادية متكاملة.

كلمة "البد" في الموروث الشعبي الفلسطيني لا تعني مجرد مكان، بل تشير إلى "الحجر الدائري الضخم" (حجر البد) المصنوع من الصخر الصلد (غالباً صخر الصوّان أو الحجر السلطاني)، والذي يتراوح وزنه بين طن إلى طنين. كانت عملية "العصر" في هذه المعاصر التقليدية، والتي استمرت وازدهرت بقوة خلال العهود العثمانية وحتى منتصف القرن العشرين، تنقسم إلى مرحلتين هندسيتين أساسيتين:

أولاً: مرحلة الطحن (الدراسة):

كانت ثمار الزيتون تُفرغ في حوض حجري دائري كبير يُسمى "الجرن"، ويتوسطه عمود خشبي سميك يدور حوله حجر "البد" العمودي. وكانت الدواب (الجمال أو الخيول أو الأبقار) تُعصب أعينها وتدور في حلقة مفرغة لدفع هذا الحجر الضخم ليدور فوق الثمار. هذه العملية، ورغم بساطتها الميكانيكية، كانت تمثل تطبيقاً فطرياً ممكناً لـ "العصر البارد الحقيقي"؛ إذ يتم هرس الثمار بالكامل وتفتيت خلاياها الزيتية دون توليد أي حرارة صناعية تؤثر على الخصائص الطبيعية والدوائية لعصير الفاكهة.

ثانياً: مرحلة الكبس واستخلاص الزيت "البدودة":

بعد تحول الزيتون إلى عجينة متجانسة، تأتي مرحلة استخلاص السائل. وهنا يتم توزيع العجينة بدقة داخل سلال دائرية منسوجة بحرفية من ليف النخيل أو الخيش تُسمى "الشاميات"، تُصفف هذه الشاميات فوق بعضها البعض تحت مكبس ضخم (البرغي الخشبي أو الحديدي لاحقاً) يُدار يدوياً بواسطة سارية خشبية طويلة يلتف حولها عدة رجال أقوياء (الجرّارون) لتوليد ضغط هائل.

تدفق الخليط (الزيت والماء أو ما يُعرف بالزيبار) من الشاميات لينساب في أجران فخارية أو حجرية منخفضة مخصصة للفصل. وهنا تجلت العبقرية الفطرية للأجداد؛ حيث كانوا يتركون السائل لفترة قصيرة ليتم "الترسيب الطبيعي"؛ وبما أن كثافة الزيت أقل من كثافة الماء، يطفو "الذهب السائل" بصفائه التام على السطح، ليقوم "البداد" بقشطه وجمعه بعناية فائقة، وهو تماماً المنهج الطبيعي النقي الذي تنادي به مدارس رائدة اليوم كمدرسة المهندس محمد الخولي في مصر التي تبتعد عن الفرازات الميكانيكية السريعة.

إن هندسة "البد" التقليدية لم تكن مجرد آلية ميكانيكية، بل كانت "عصب الحياة والاجتماع" في القرية الفلسطينية؛ فحول البد ولدت أهازيج الحصاد، وفيه تجسدت قيم العونة والتكافل، ومن أقبية البد الباردة المخزنة في جرار الفخار انطلقت قوافل التجارة لتنشر زيت فلسطين البكر في بغداد والقاهرة والشام وجزائر البحر الرومي.

في الحلقة القادمة سنتحدث عن التحول الكبير في القرن التاسع عشر ودخول الماكينات الحديدية والمكابس الهيدروليكية، وكيف بدأت الميكنة الحديثة في تغيير معالم سلسلة القيمة لزيت الزيتون.