عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 30 آب 2026

الضفة الفلسطينية المحتلة والانتخابات الإسرائيلية.. هل يسبق الضم صناديق الاقتراع؟

د. رمزي عودة

في السابع والعشرين من أكتوبر 2026، لن يتوجه الإسرائيليون إلى صناديق الاقتراع لاختيار رئيس وزراء فحسب، بل سيصوتون أيضًا، بوعي أو بدونه، على مصير مخططات اليمين في الضفة الفلسطينية المحتلة. فخلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، لم تعد الأمور مقتصرة على الاستيطان التقليدي، بل تحولت إلى سباق محموم للجرافات، وتوسع في البؤر العشوائية، وتصاعد في اعتداءات المستوطنين، وإعادة هيكلة للصلاحيات الإدارية والقانونية على الأرض. معركتان تتقاطعان في نقطة واحدة: الأولى سياسية تتعلق بالمقاعد في الكنيست، والثانية ميدانية تعيد رسم الخرائط بقوة السلاح والقوانين.

في يونيو الماضي، أظهر استطلاع نشرته "تايمز أوف إسرائيل" حصول "الليكود" على 22 مقعدًا، مقابل 21 مقعدًا لحزب "يشار" بقيادة غادي آيزنكوت، بينما حل حزب نفتالي بينيت في المرتبة الثالثة بـ19 مقعدًا، وحصل "عوتسما يهوديت" (القوة اليهودية)، بزعامة إيتمار بن غفير، على 9 مقاعد، بينما نال "الحزب الصهيوني الديني"، بزعامة بتسلئيل سموتريتش، 4 مقاعد. لكن مع دخول يوليو وأغسطس، بدأت الخريطة تنقلب جذريًا؛ إذ ارتفع "يشار" إلى نحو 26 مقعدًا في بعض الاستطلاعات، بينما تجمد "الليكود" عند حاجز 21-22 مقعدًا. وفي الوقت نفسه، حافظ بن غفير على كتلته التي تتراوح بين 8 و10 مقاعد، فيما برز حزب يميني قومي جديد بقيادة الجنرال المتقاعد أوفير وينتر، نال 6 مقاعد في استطلاع واحد، بينما أصبح حزب سموتريتش مهددًا بعدم تجاوز عتبة الاقتراع (نسبة الحسم).

هذه الأرقام لا تعكس منافسة تقليدية بين اليمين والمعارضة فحسب، بل تكشف عن أزمة احتكار يعيشها "الليكود"، الذي لم يعد يخسر أمام خصومه من خارج اليمين فقط، بل بدأ يفقد هيمنته على الناخب اليميني من الداخل. فبن غفير يقتطع جزءًا من التيار الأكثر تشددًا، ووينتر ينافس بقوة، بينما يحتفظ بينيت بقاعدة وسطية-يمينية، وفي المقابل، يستطيع آيزنكوت استقطاب ناخبين يبحثون عن قيادة أمنية قوية، لكنهم يريدون تغيير وجه الحكومة أيضًا. وهذا يفسر مساعي نتنياهو الحثيثة للدفع باتجاه توحيد بن غفير وسموتريتش، ليس فقط لرفع عدد المقاعد، بل لتجنب ضياع أصوات الأحزاب الصغيرة تحت العتبة، وهو ما قد يحرم معسكر اليمين من الوصول إلى أغلبية 61 مقعدًا اللازمة لتشكيل الائتلاف.

وإذا كان التصعيد في الضفة الفلسطينية المحتلة يوفر بيئة سياسية ملائمة لأطراف اليمين، فإن بن غفير يبدو المستفيد الأكبر بلا منازع. فالحفاظ على قوة انتخابية تتراوح بين 8 و10 مقاعد يمنح حزب "عوتسما يهوديت" موقعًا مستقلًا، ويجعل من بن غفير لاعبًا لا يستطيع نتنياهو تجاهله في أي معادلة ائتلافية مستقبلية.

ومع ذلك، فإن العلاقة السياسية واضحة؛ فكلما تصاعدت المخاوف الأمنية والقومية، ازدادت قدرة بن غفير على تقديم نفسه باعتباره الصوت الأكثر تشددًا تجاه الفلسطينيين، والداعم الأكبر للاستيطان والأمن الصارم. ومن ثم، يمكن القول إن التصعيد في الضفة المحتلة يعزز البيئة الانتخابية لبن غفير، لكنه لا يضمن بالضرورة تعزيز شعبية نتنياهو أو سموتريتش.

بالمقابل، وإذا كان بن غفير أو وينتر يجذبان الأصوات من يمين "الليكود"، فإن آيزنكوت يمثل تحديًا مختلفًا وأكثر حساسية. فهو لا يقدم نفسه كمرشح يساري معارض، بل كشخصية أمنية ذات خلفية عسكرية رفيعة، وهو ما يسمح له باستقطاب ناخبين لا يختلفون جذريًا مع نتنياهو في قضايا الأمن والردع، لكنهم يرون في تغيير القيادة ضرورة ملحة لإنهاء الجمود السياسي.

وتزداد أهمية هذا السيناريو مع ارتفاع "يشار" إلى نحو 24-26 مقعدًا، وهو رقم يجعل من آيزنكوت مرشحًا رئيسيًا لرئاسة الحكومة المقبلة. واللافت أن آيزنكوت اتخذ موقفًا معارضًا لمشروع "E1" الاستيطاني ولممارسات عنف المستوطنين، لكنه في الوقت نفسه لم يتبنَّ خطاب اليسار الإسرائيلي التقليدي؛ إذ اعتبر أن الحديث عن حل الدولتين قد أصبح غير واقعي في الظروف التي أعقبت هجوم السابع من أكتوبر. وهذا المزيج تحديدًا هو ما يجعل تقدمه أكثر إزعاجًا لنتنياهو؛ لأنه ينافسه على صورة "القائد الأمني"، وليس فقط على المواقف السياسية الظاهرية.

في هذه البيئة المتشنجة، يصبح التصعيد في الضفة المحتلة أكثر من مجرد سياسة حكومية؛ إنه أداة سياسية انتخابية بامتياز. نتنياهو يسعى لترتيب أولويات الساحة عبر إعادة الانتخابات إلى مربع السيادة والأمن، وهما القضيتان اللتان يمتلك فيهما اليمين أفضلية واضحة.

ولكن، في تقديري، فإن الاحتمال الأكثر واقعية ليس إعلان ضم شامل للضفة كاملة، بل تسريع وتيرة "الضم الفعلي" عبر خطوات تدريجية، كتطبيق القانون الإسرائيلي على الكتل الاستيطانية الكبرى، أو غور الأردن، أو توسيع الصلاحيات المدنية في المستوطنات، وشرعنة البؤر، وتسريع مشاريع الطرق والبنية التحتية التي تدمج المستوطنات بالداخل الإسرائيلي.

فمثل هذه الخطوات تحقق أثرًا سياسيًا كبيرًا من دون تحمل التكلفة الدبلوماسية الكاملة لإعلان الضم الصريح، الذي قد يفتح أزمة مع واشنطن والعواصم الأوروبية، ويمنح خصوم نتنياهو ورقة قوية ضده. وهنا تكمن المفارقة الأكثر خطورة؛ فقد ينقذ الضم مشروع اليمين الاستيطاني، لكنه قد لا ينقذ نتنياهو شخصيًا. وفي ظل هذه الإرهاصات، يمكن تصور حدوث سيناريو دخول وينتر على خط التنافس بـ6 مقاعد، ما يزيد من ازدحام الساحة اليمينية ويعقد المشهد السياسي في إسرائيل، بالشكل الذي يعطل وصول أغلبية واضحة في الكنيست، ولا يسمح باختيار رئيس وزراء جديد، مما قد يؤدي، إن حدث ذلك، إلى إعادة الانتخابات مرة أخرى، وهو ما سيعطي نتنياهو فرصة أكبر للمناورة السياسية وتثبيت موقعه.

هذه المؤشرات لا تتحدث عن أرقام جامدة فقط، بل عن إعادة توزيع القوة داخل اليمين الإسرائيلي، بالتزامن مع إعادة تشكيل تدريجي للواقع في الضفة المحتلة عبر الاستيطان وعنف المستوطنين. وكلما أصبح مستقبل نتنياهو الانتخابي أكثر غموضًا، ازدادت أهمية تثبيت الوقائع على الأرض كإرث استراتيجي له ولحلفائه.

وبالنتيجة، فإن المعطيات المتاحة حتى نهاية أغسطس/آب ترسم صورة واضحة: اليمين الإسرائيلي يتجه نحو مزيد من التشدد في الضفة المحتلة، لكنه في الوقت نفسه يصبح أكثر انقسامًا انتخابيًا.

وفي هذه الظروف، لا أرى أن السيناريو الأرجح هو ضم شامل ومفاجئ، بل تسارع في الضم الفعلي، مع احتمال إعلان سيادة جزئية إذا تدهورت نتائج استطلاعات "الليكود" أكثر.

أما النتيجة الأخطر فهي أن نتنياهو، حتى إذا لم ينجح في إنقاذ موقعه كرئيس للحكومة، يستطيع أن يُورِّث الحكومة القادمة واقعًا جديدًا في الضفة المحتلة، يجعل مهمة أي حكومة جديدة في التراجع عنه شبه مستحيلة. بهذا المعنى، لن تكون انتخابات أكتوبر مجرد معركة على من يحكم إسرائيل، بل معركة على واقع الأرض الذي ستجد نفسها مضطرة لحكمه؛ وهو ما يجعل الأيام المقبلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع القراءات الاستطلاعية مع آليات تغيير الجغرافيا السياسية في قلب المنطقة.