خيط في السماء
حبر على جمر- لمى عواد

بدهم يحرمونا من الشغلة اللي بنفرح فيها!"
لا يحتاج الطفل إلى أن يعرف كل تفاصيل السياسة كي يفهم أثرها. يكفي أن يعرف أن شيئا يحبه، شيئا بسيطا مثل طائرة ورقية، يمكن أن يصبح فجأة جزءا من عالم أكبر منه؛ عالم يتحدث فيه الكبار عن الأمن والحرب والحدود والقرارات، بينما يرى هو النتيجة في شيء أكثر بساطة: فرحته التي يريدون انتزاعها منه.
الحكاية هنا ليست عن طائرة ورقية فقط. إنها عن طفل يحاول أن يترك للسماء مساحة لا يصل إليها القرار.
فالطائرة الورقية لا تحتاج إلى مطار، ولا إلى جواز سفر، ولا إلى تصريح عبور.
لا تعرف الحواجز، ولا خرائط المناطق، ولا بيانات السياسيين.
تحتاج فقط إلى ورقة، وخيط، ويد صغيرة، وقليل من الريح.
ومع ذلك، حتى هذه المساحة الصغيرة من الحياة تبدو في عيني الطفل مهددة. يختصرها في سؤال طفولي شديد القسوة: لماذا يريدون أن يأخذوا منا حتى الأشياء التي نفرح بها؟
نتنياهو.. كاتس.. ترامب..
أسماء لا يفترض أن تكون في قاموس طفل يحمل طائرته الورقية.
فحين تدخل أسماء السياسيين إلى لغة طفل يتحدث عن لعبة، فهذا يعني أن السياسة لم تعد بعيدة عنه. لم تعد شيئا يحدث في غرف القرار فقط، بل أصبحت جزءا من الطريقة التي يفهم بها العالم من حوله.
وهذه إحدى أكثر نتائج الحرب والاحتلال قسوة: أن الطفل لا يتعلم السياسة من الكتب، بل من الأشياء التي تختفي من حياته. يتعلمها من الحاجز، ومن الطريق المغلق، ومن الخوف، ومن الأشياء التي لم يعد يستطيع فعلها، ومن لعبة تتحول فجأة إلى قضية.
وهنا يصبح المشهد أكبر من الطائرة نفسها.
فالسؤال لم يعد فقط: هل يستطيع الطفل أن يطلق طائرته الورقية؟
بل: كم تبقى من المساحات التي يستطيع الطفل أن يعيش فيها طفولته دون أن تلاحقه السياسة؟
خيط يصل الأرض بالسماء
طائرة ورقية لا تحتاج إلى حدود سياسية كي تطير، ولا إلى تصريح كي تصل إلى السماء. تحمل صورتها مفارقة مؤلمة فكلما ضاقت المساحة على الأرض، أصبحنا أكثر تعلقا بمساحة فوقها.
فقد لا تستطيع الطائرة أن تغير الواقع، لكنها تستطيع أن تكشفه.
تكشف أن ما يضيق ليس الأرض وحدها، وأن ما يهدد ليس حق الحركة وحده، بل تلك المساحات الصغيرة التي تجعل الحياة قابلة لأن تعاش. فحين يصبح اللعب مساحة مهددة، لا يعود السؤال عن الطائرة الورقية، بل عن مقدار الطفولة الذي يمكن أن يبقى.
عندما يصبح الفرح قضية
نميل دائما إلى الحديث عن الأطفال في أوقات الحرب بلغة الاحتياجات: الغذاء، والماء، والتعليم، والصحة، والأمان، والمأوى. وكلها احتياجات ضرورية وأساسية. لكن هناك شيئًا يصعب قياسه في الجداول والتقارير، وأقل حضورا في لغة الأرقام: القدرة على الفرح.
أن يضحك الطفل، وأن يلعب، وأن يركض، وأن يصنع شيئا بيديه، وأن يرفع رأسه إلى السماء لا بحثا عن الخطر، بل بحثا عن طائرته.
هذه ليست تفاصيل هامشية في حياة الطفل؛ إنها جزء من معنى الطفولة نفسها.
ولهذا تصبح جملة الطفل أكثر من مجرد شكوى: بدهم يحرمونا من الشغلة اللي بنفرح فيها!
هو لا يطلب أن يغير العالم. يريد فقط أن تبقى له مساحة صغيرة لا تملكها السياسة؛ مساحة تكفي لطائرة ورقية، ولضحكة، وللحظة لا يكون فيها العالم كله حربا وسياسة وخوفا.
فالاحتلال والحرب لا يختبران قدرة الناس على البقاء فقط؛ إنهما يصلان إلى مستوى أعمق: إلى تعريف الحياة نفسها، وإلى الأشياء الصغيرة التي تجعلها قابلة لأن تعاش.
ومن هنا تصبح الطائرة الورقية في يد طفل سؤالا سياسيا وإنسانيا في آن واحد: أي عالم هذا الذي يجعل طفلا مضطرا إلى الدفاع عن حقه في الفرح؟
خيط صغير يمتد من يده إلى السماء..
وفي طرفه الآخر ليست طائرة ورقية فقط، بل مساحة صغيرة يحاول طفل أن يحتفظ فيها بحقه في أن يكون طفلا.