عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 26 آب 2026

سليمان منصور.. الفن قضية

باسم برهوم

ثمة حزن عميق ومركب على رحيل الفنان التشكيلي والنحات سليمان منصور، ربما هو وحده من بين الرواد الذي لم تتح لي فرصة لقائه شخصيا، واعترف انني لست مطلعا بما يكفي على أعماله وهذا تقصير مني، سمعت وقرأت للمرة الأولى عن منصور عندما كنت في بيروت نهاية سبعينيات وأوائل ثمانينيات القرن الماضي، كنت قد بدأت للتو حياتي الصحفية في جريدة ومجلة "فلسطين الثورة"، وكانت الأرض المحتلة ضمن مساحة تخصصي، كنا نتلقف كل خبر، نبني أرشيف معلوماتنا الخاص ورقة ورقة بشق الأنفس، لم يكن الحصول على المعلومة سهلا كما هو الحال اليوم.

احتل سليمان منصور حيزا من نقاشاتنا عند الحديث عن الثقافة في الأرض المحتلة، في بيروت كانت عجلة الأحداث سريعة، تحركنا كما تحرك العواصف القوية أشرعة السفن، كان التركيز والبقاء في دائرة واحدة امرا صعبا ان لم يكن مستحيلا.

أعداد جريدة الاتحاد الحيفاوية، واحيانا جريدة الطليعة المقدسية كانت تصلنا متأخرة أسابيع عبر براغ، في أحد تلك الاعداد من جريدة الاتحاد قرأت للمرة الاولى عن سليمان منصور، توقفت كثيرا لأن الفن التشكيلي لم يكن قد برز بعد في فضاء الثقافة تحت الاحتلال، توقفت بين الشك واليقين، أحاول الامساك بما يشفي الغليل، ان الثقافة امتلكت في الأرض المحتلة عمود خيمتها: الرسم التشكيلي.

وفي منتصف الثمانينيات، في قبرص، حيث انتقلت مجلة فلسطين الثورة بعد الخروج من بيروت، اصبح سليمان منصور متأصلا في المشهد الثقافي يحتل مساحته فيه بجدارة، خصوصا عندما اخترنا لوحته "جمل المحامل" غلافا لأحد اعداد المجلة، لينتشر منصور في فضاء الشتات الفلسطيني.

ابدع سليمان منصور في تحويل القضية الفلسطينية إلى الوان وظلال وأبعاد، مزيج من أحلام لم تكتمل، وأحلام مسروقة، مزيج من اليأس والأمل، من التشاؤم والتفاؤل، الحياة والموت، من الملاحم والحكايات العابرة، حقول، جبال، ازقة، ارض، فضاء بلا نهايات.

سليمان منصور لخص برائحة الزيت ما لحق بنا كلنا من ظلم، في جمل المحامل، وليس هذا وحسب بل مع كل ضربة ريشة كان يبدع فيها فنا مشبعا بشخصيته، مخزون الظلم الذي تحول إلى غضب، إلى انتفاضة تعيد صياغة الوعي بألوان جديدة.

لم يبرح سليمان منصور المكان، لكنه نسج في خياله حزمة ضوء تعبر عن كل زمان ومكان، وبين كل ذلك صنع مكانته بين الرواد.

وكما يقول محمود درويش:

 اثر الفراشه لا يرى

 اثر الفراشة لا يزول،

ومنصور ترك أثرا لن يزول.

سأواصل البحث في هذا الأثر لأعوض ما قد يكون قد فاتني، وبالتأكيد مع منصور سيكون البحث أكثر مما اتخيل.