أدبنا الفلسطيني..!
تغريدة الصباح- حسن حميد

أعترف بأنّ الأدب الفلسطيني، حضوراً ونشاطاً ونقداً، قصّر في تسليط الضوء على الأدب والفكر والثقافة داخل الوطن الفلسطيني المحتل، أي داخل ما سمي، بالخط الأخضر، في مدن وبلدات عكا، وحيفا، ويافا، وأم الفحم، والناصرة، وسخنين، والرامة، وميعار، وعرابة، وشفا عمرو.. إلخ، قصر كثيراً، واستأنس سهوا بهذا التقصير وركن إليه، وكأنه جزء من صورة الإحباط التي عمت كل شيء في فترات متعددة، مع أنّ اثنين، من أهم الكتّاب والمبدعين الفلسطينيين، اهتما بالأدب الفلسطيني المكتوب في داخل الوطن الفلسطيني، نثرا وشعرا، هما غسان كنفاني، ويوسف الخطيب، وشقّا الطريق لمعرفة هذا الأدب الجديد في كل شيء، والمهم في كل القضايا والموضوعات التي تناولها، رغم الاحتلال وعسفه، ورغم غربة اللغة التي فرضت فرضاً في المدارس والجامعات والشارع العام، فكان جهة معرفية بالغة الأهمية، لأنه عرفنا أكثر، ومن خلال تفاصيل ما كنا نعرف منها شيئاً، بالأبعاد النفسية والفكرية للشخصية الإسرائيلية، مثلما عرفنا أكثر بالمجتمع الإسرائيلي، والفوارق الجلية بين من هو (اشكنازي) و(سفارديمي) وأشكال التناقض بين التقدم والتخلف، أو أشكال الرعاية والاهتمام من عدمه بالأحياء والبلدات والمستوطنات التي يسكنها (الاشكناز/ الغربيون) والأحياء والبلدات والمستوطنات التي يسكنها (السفارديم/ الشرقيون)، وتوجهات كل من الطرفين، والأحلام التي تجمعهما، والتناقضات التي تفرق بينهما تمييزاً. وقد أسهم الأدب الفلسطيني الذي كتب في الوطن الفلسطيني المحتل في لفت الأنظار إلى الحال الصعبة التي عاشها الفلسطينيون تحت الحراب الإسرائيلية، ومنها وجوه الثقافة العنصرية الإسرائيلية التي سعت وعملت على أن يكون الفلسطينيون الذين تشبثوا بأرضهم وقراهم ومدنهم عام 1948، خاضعين مستسلمين، لكن صلادتهم، وعنادهم الوطني، وتمسكهم بالهوية الوطنية ..جعلتهم يتحملون كل ويلات الإسرائيليين وصلفهم وسلوكياتهم العدوانية الشيطانية القائمة على العنصرية، والتفرقة، والعزل، والحرمان، والمنع، والتقييد، وشل حياتهم ووقفها..مقابل رواتب( البطالة) وهم أهل البلاد، وأهل العمران.
والمؤسف أنّ آثار وعلامات وصور هذا التقصير ما زالت بادية على نحو فاقع ومشين، علماً بأنّ أسماء إبداعية كبيرة أثبتت جدارتها الأدبية الكبيرة، وأوجدت لنفسها فضاء إبداعياً أبعد من مساحة جغرافية الوطن الفلسطيني المحتل، فبدت حاضرة بقوة الإبداع، والوعي الوطني، في المشاهد الثقافية العربية، والعالمية أيضاً، حين التفتت إليها الفعاليات المعنية بالترجمة والمثاقفة، وفي مقدمة هذه الأسماء: محمود درويش، وسميح القاسم، وراشد حسين، وأميل حبيبي، وتوفيق فياض، وحنا أبو حنا، ومحمد علي طه، وأحمد حسين، ونبيه القاسم، وشكيب جهشان، وتوفيق زياد، وسالم جبران، وعلي محمد طه، وشفيق حبيب.. إلخ، هؤلاء الأدباء الكبار الذين عرفناهم في الثلث الأخير من القرن العشرين الفارط، تبعهم جيل أدبي مبدع، حمل راية الإبداع الوطني الفلسطيني، وبهمة جادة، ورؤى عميقة واضحة، تستند إلى ثقافتين مهمتين، الأولى هي الثقافة العربية بشقيها القديم والحديث، والثانية هي الثقافية الإنسانية التي أعطت الأدب العالمي سمات واضحة لمدارس في الإبداع، والنقد، والتفكير، والفلسفة، والفن، وهذا الجيل يمتاز بالانتساب إلى أبوة ثقافية وإبداعية أسسها محمود درويش، وسميح القاسم، وأميل حبيبي، وأميل توما، مثلما يمتاز أدبه بالانتساب إلى الروح الفنية الأدبية التي تجعل من الأدب عمراناً للنفوس، والمجتمعات، والقضايا الإنسانية، وبوصلة رائيةللمستقبل المنشود، أي الرؤى والتوجهات المتعلقة بتعميق ثقافة الثنائيات مثل: الجلاد والضحية، والظلم والعدالة، والأسر والحرية، والمساواة والعنصرية، والبربرية والمدنية، والوعي واللاوعي.. إلخ.
أجل، إنّ ما كتبه أدباء فلسطين، في الوطن المحتل، كان ولا يزال، جزءاً أصيلاً وجوهرياً من الأدب الفلسطيني الذي كتب في المنافي والشتات، وداخل الوطن الفلسطيني العزيز في قطاع غزة، والضفة الفلسطينية، والقدس، والخليل، وأريحا، وكل هذا الأدب يشكل، في اجتماعه، الأدب الفلسطيني الجلي بحضوره المدهش رغم كل أشكال الحصار، والغياب، والدعاية الإسرائيلية المضادة التي تتهمه بكل ما ليس فيه، وبكل ما لا يليق بجماله وصفائه ووضوح رؤيته، وبعده الإنساني الرزين.
قلت كل هذا، من أجل توليد همة ثقافية متجددة كي نفتح نافذة على الأدب الفلسطيني الذي يكتبه أدباؤنا، وشعراؤنا داخل ما سمي بـ( الخط الأخضر)، وهو أدب مهم للغاية لما يشتمل عليه من تصوير لحياة أهلنا هناك تحت الاحتلال الإسرائيلي، وكلها حياة معاناة، وتعب، ومجالدة مع الرغبات والأحلام، أما أسماء الأدباء الذين يمثلون الجيل الرديف لجيل محمود درويش فهي كثيرة وحاضرة، ولها مكانتها الوافية الضافية، ولها التجارب الأدبية التي باتت وافرت الحضور في المشاهد الثقافية العربية، من خلال استحواذها على فرص الطباعة والنشر، خارج البلاد الفلسطينية ، والظفر بالجوائز الأدبية المهمة، والمشاركة في المهرجانات الأدبية، ومعارض الكتب.
في أدب الداخل الفلسطيني عيون يواقظ على الحياة، والواقع، والمستقبل، ورؤى عالية في وعيها، وعنادها الوطني تجاه التاريخ، واللغة، والأرض، وتجارب أدبية هي مفخرة في التزامها، وجمالها، ونحن بحاجة جوهرية لهذا الأدب الجليل، كي يبدو الأدب الفلسطيني بكل بهائه وجماله وتعدد أمكنته، رغم كل ما يحيط به من كواره وشائنات، وما يواجهه من معوقات وحصار ومنع، وما يطاله من تقولات راجفة.
Hasanhamid5656@gmail.com