نحو تحديث نظرية الأمن القومي الفلسطيني: إدماج استراتيجيات مواجهة الفصل العنصري في العقيدة الأمنية
د. رمزي عودة

الجزء الثاني: من تحديث العقيدة الأمنية إلى بناء نظرية الأمن القومي الشامل
إن إدماج استراتيجيات مواجهة الفصل العنصري في نظرية الأمن القومي الفلسطيني لا يعني استبدال هدف إنهاء الاحتلال أو تجاوز أولوية بناء الدولة الوطنية، وإنما يعني تطوير أدوات تحقيق هذه الأهداف ضمن رؤية أمنية أكثر شمولا قادرة على التعامل مع طبيعة التهديدات المستجدة.
فمواجهة الفصل العنصري ليست هدفا بحد ذاتها، بل هي إحدى استراتيجيات إدارة التهديد وتعزيز الأمن القومي الفلسطيني. ولذلك فإن بناء الدولة وإنهاء الاحتلال يتطلبان إدماج وتوطين استراتيجية وطنية لمناهضة الفصل العنصري ضمن العقيدة الأمنية الفلسطينية، بما يرفع من قدرة المنظومة الوطنية على التعامل مع المتغيرات السياسية التي فرضتها سلطات الاحتلال في الضفة الغربية وقطاع غزة، وفي مقدمتها التوسع الاستيطاني، وابتلاع الأرض، وتهجير الإنسان وإبادته، وعزل المناطق الفلسطينية عن بعضها البعض.
ومن هذا المنطلق، فإن عملية تحديث العقيدة الأمنية الفلسطينية يجب ألا تقتصر على التعامل مع الاحتلال باعتباره التهديد الرئيس، بل يجب أن تشتمل على تطوير مجموعة من الأبعاد الاستراتيجية التي تستجيب لطبيعة التهديد البنيوي، ومن أبرزها:
أولا: الأمن القانوني، وذلك من خلال جعل القانون الدولي أداة استراتيجية للمساءلة والمحاسبة، وتعزيز آليات توثيق الانتهاكات، وملاحقة الجرائم المرتبطة بالاحتلال والفصل العنصري، وحماية الحقوق الوطنية الفلسطينية ضمن الأطر القانونية الدولية.
ثانيا: الأمن الدبلوماسي، ويتمثل في بناء تحالفات دولية مع الدول والمنظمات الدولية والحركات الحقوقية، وتعزيز المكانة السياسية الفلسطينية، وتحويل قضية الفصل العنصري إلى قضية دولية مستدامة تستند إلى القانون الدولي وحقوق الإنسان.
ثالثا: الأمن المجتمعي، ويقوم على تعزيز صمود المجتمع الفلسطيني، وتقوية المؤسسات الوطنية والمجتمعية، وحماية الهوية الوطنية، وتقليل آثار سياسات التمييز والعزل والتفتيت الجغرافي والاجتماعي.
رابعا: الأمن الاقتصادي، ويهدف إلى تقليل التبعية الاقتصادية، وتعزيز القدرة على الصمود، وتطوير أدوات تقلل من تأثير الحصار والقيود الاقتصادية التي تفرضها سلطات الاحتلال.
خامسا: الأمن المعرفي والإعلامي، ويتمثل في إنتاج المعرفة، وتوثيق الانتهاكات، وتطوير الخطاب السياسي والإعلامي، وبناء رواية فلسطينية قادرة على التأثير في الرأي العام الدولي وتعزيز القوة الناعمة الفلسطينية.
إن هذه الأبعاد لا تمثل بدائل عن الهدف المركزي المتمثل في إنهاء الاحتلال، بل تشكل أدوات إضافية ضمن مفهوم الأمن الشامل. فالعقيدة الأمنية التقليدية ركزت تاريخيا على حماية الأرض والشعب وإنهاء الاحتلال، بينما تتطلب العقيدة المحدثة توسيع مفهوم الحماية ليشمل الإنسان، والحقوق، والهوية، والرواية الوطنية.
ومن هنا، فإن الانتقال من العقيدة الأمنية التقليدية إلى العقيدة الأمنية المحدثة لا يعني التخلي عن الأدوات السياسية والأمنية، بل يعني توسيع دائرة أدوات المواجهة لتشمل الأدوات القانونية، والدبلوماسية، والإعلامية، والاقتصادية، والمجتمعية.
وهذا يقود إلى مفهوم الأمن الشامل، حيث لا تصبح مسؤولية الأمن مقتصرة على الأجهزة الأمنية فقط، وإنما تصبح مسؤولية وطنية مشتركة تشارك فيها مؤسسات الدولة، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص، والجامعات، ووسائل الإعلام. وعندها لا يقاس نجاح العقيدة الأمنية فقط بقدرتها على تحقيق الاستقرار، وإنما أيضا بقدرتها على تقليص آثار الفصل العنصري وتعزيز الحقوق وحمايتها.
ومع ذلك، فإن إدماج استراتيجيات مواجهة الفصل العنصري في العقيدة الأمنية الفلسطينية يواجه تحديات عديدة ترتبط خصوصا بخصوصية الحالة الفلسطينية، كونها حالة يعيش فيها شعب تحت الاحتلال ويتعرض لسياسات العنف والتنكيل والإبادة والتهجير والإحلال الكولونيالي.
ولا تكمن الإشكالية الأساسية في غياب هذه الأهداف عن الخطاب السياسي أو الأمني الفلسطيني، إذ إن العديد منها حاضر بدرجات متفاوتة، وإنما تكمن في عدم تحولها حتى الآن إلى مكونات مركزية ضمن إطار عقائدي موحد. ولذلك فإن التحدي الحقيقي يتمثل في الانتقال من التعامل مع هذه الأبعاد باعتبارها سياسات منفصلة إلى اعتبارها جزءا من نظرية أمن قومي متكاملة.
لقد تعاملت معظم الأدبيات الفلسطينية الأمنية والسياسية تاريخيا مع الاحتلال باعتباره التهديد الرئيس، بينما برز مفهوم الفصل العنصري بصورة أكبر خلال العقد الأخير في الخطاب القانوني والحقوقي. وإذا كان التهديد قد تطور بسرعة خلال السنوات الماضية، فإن الحاجة أصبحت ملحة لتطوير العقيدة الأمنية بالوتيرة نفسها.
فالفصل العنصري ليس مجرد سياسة أو إجراء منفرد، وإنما يمثل بنية تنتج آثارا متزامنة في المجالات القانونية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وإذا كان التهديد بنيويا، فمن الطبيعي أن تكون الاستجابة بنيوية أيضا، وألا تقتصر على ردود فعل متفرقة أو أدوات منفصلة.
وبناء على ذلك، فإن تحديث نظرية الأمن القومي الفلسطيني يجب أن يستند إلى مؤشرات واضحة لقياس مدى نجاح إدماج استراتيجيات مواجهة الفصل العنصري في العقيدة الأمنية.
وفي الخلاصة، فإن تحديث العقيدة الأمنية الفلسطينية لا يعني استبدال هدف إنهاء الاحتلال، بل تطوير أدوات تحقيقه ضمن رؤية أمن قومي أكثر شمولا. فحماية الإنسان، والأرض، والحقوق، والرواية الوطنية أصبحت جميعها عناصر مترابطة في معركة بناء الدولة الفلسطينية. وعليه، فإن إدماج استراتيجيات مواجهة الفصل العنصري في العقيدة الأمنية يمثل استجابة طبيعية للتحولات التي طرأت على طبيعة التهديد، وخطوة ضرورية نحو بناء نظرية أمن قومي فلسطيني قادرة على التعامل مع الواقع المعقد، وتحقيق أهداف التحرر والاستقلال.