عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 18 تموز 2026

د. رانيا أبو سير.. باحثة فلسطينية تضع أبحاث السرطان المحلية على خارطة العالم

منحة دولية تفتح آفاقاً جديدة للبحث العلمي من تشخيص المرض إلى صناعة الأمل

رام الله- الحياة الجديدة- عبير البرغوثي- لم يكن حصول د. رانيا أبو سير، أستاذة علم الدم في كلية المهن الصحية بجامعة القدس، على منحة بحثية دولية من الصندوق العالمي لأبحاث السرطان (WCRF) مجرد إنجاز أكاديمي عابر، بل محطة فارقة في مسيرة باحثة فلسطينية اختارت أن تجعل من العلم أداة لفهم أحد أكثر الأمراض تحدياً، وتحويل المعرفة إلى رعاية صحية أكثر إنسانية وفاعلية.

المنحة التي جاءت بعد عملية تقييم دولية دقيقة من لجان علمية متخصصة، تمثل اعترافاً بقدرة الباحث الفلسطيني على إنتاج معرفة تنافسية ذات أثر عالمي، مثلما تفتح الباب أمام بناء قاعدة بيانات وطنية حول سرطان القولون والمستقيم، بما يخدم المرضى ويعزز حضور فلسطين في خارطة أبحاث السرطان الدولية.

تقول د. أبو سير  لـ "الحياة الجديدة": إن أهمية هذه المنحة تتجاوز قيمتها التمويلية، "فهي شهادة ثقة دولية بجودة المشروع وأهميته العلمية والمجتمعية"، معتبرة أن هذا الإنجاز "وطني قبل أن يكون شخصياً"، لأنه يضع فلسطين ضمن المبادرات العالمية في مجال أبحاث السرطان، ويؤسس لمسار جديد في دراسة المرض من الوقاية وعوامل الخطورة إلى التعافي وجودة الحياة بعد التشخيص.

من دراسة أسباب الإصابة إلى فهم رحلة التعافي

يمثل المشروع البحثي الجديد امتداداً لمسار علمي بدأته د. رانيا خلال السنوات الماضية، ركز على دراسة عوامل الخطورة المرتبطة بسرطان القولون والمستقيم، سواء الوراثية منها أو المرتبطة بنمط الحياة والعادات الغذائية.

خلال أبحاثها السابقة، عملت د. رانيا على تتبع العائلات التي تحمل طفرات جينية مرتبطة بسرطان القولون والمستقيم، مثل متلازمة السلائل الورمية الغدية العائلية ومتلازمة لينش، بهدف تحديد الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة، وإنشاء قواعد بيانات تساعد في الكشف المبكر والمتابعة الطبية، كما تشير في سياق حديثها الذي خصت بـه "الحياة الجديدة".

أما المرحلة الجديدة، فتنقل البحث إلى مساحة مختلفة، إذ تركز على ما بعد التشخيص، من خلال دراسة العوامل التي تؤثر في تعافي المرضى، وفرص بقائهم دون عودة المرض، وجودة حياتهم خلال رحلة العلاج وما بعدها. وتوضح د. رانيا أن الهدف هو بناء برنامج بحثي متكامل يبدأ من فهم أسباب المرض وعوامل الخطورة، وينتهي بتطوير وسائل لتحسين الرعاية والمتابعة بعد العلاج.

مشروع وطني لفهم سرطان القولون والمستقيم في فلسطين

وحسب حديث الباحثة رانيا أبو سير فإن المشروع يقوم على إنشاء دراسة حشدية وطنية طويلة الأمد، تتابع مرضى سرطان القولون والمستقيم منذ لحظة التشخيص وخلال مراحل العلاج وما بعده.

وستجمع الدراسة بيانات واسعة تشمل التاريخ المرضي، والخصائص السريرية، والنظام الغذائي، والنشاط البدني، والتدخين، وتركيب الجسم، إضافة إلى جودة الحياة، بهدف فهم العلاقة بين هذه العوامل ومسار المرض ونتائج العلاج.

وترى د. رانيا أن أهمية المشروع تكمن في أنه يعالج فجوة بحثية كبيرة، إذ إن معظم البيانات العالمية المتوفرة حول تعافي مرضى السرطان تأتي من بيئات تختلف عن الواقع الفلسطيني من حيث نمط الحياة، والنظام الصحي، والظروف الاجتماعية. وتضيف: أن فلسطين بحاجة إلى بيانات محلية تعكس خصوصية المريض الفلسطيني، وتساعد على وضع توصيات مبنية على أدلة علمية يمكن تطبيقها فعلياً داخل النظام الصحي.

سرطان القولون والمستقيم.. أولوية صحية فلسطينية

اختارت الباحثة سرطان القولون والمستقيم باعتباره أحد أكثر أنواع السرطان تحدياً في فلسطين، فهو ثاني أكثر السرطانات انتشاراً، وثاني أكبر مسبب لوفيات السرطان.

وتشير إلى أن ارتفاع معدلات الإصابة بهذا المرض في العديد من الدول منخفضة ومتوسطة الدخل يرتبط بالتغيرات في أنماط الحياة، بما فيها التغذية، وقلة النشاط البدني، والتدخين، وزيادة الوزن.

كما أن خصوصية الحالة الفلسطينية، سواء من حيث التركيبة العمرية للمرضى أو ظروف الوصول إلى الرعاية الصحية، تجعل من الضروري إجراء دراسات محلية تساعد على فهم المرض ومساره بشكل أكثر دقة.

بحث علمي لخدمة المريض وصانع القرار

لا ترى د. رانيا في المشروع مجرد دراسة أكاديمية، بل خطوة يمكن أن تتحول نتائجها إلى سياسات صحية وبرامج عملية، وتوضح أن البيانات التي ستوفرها الدراسة يمكن أن تساعد الأطباء وصناع القرار في تطوير إرشادات وطنية حول التغذية والنشاط البدني والمتابعة بعد العلاج، وتعزيز مفهوم الرعاية الشاملة التي لا تقتصر على العلاج الدوائي والجراحي فقط، بل تشمل الجوانب النفسية والسلوكية وجودة الحياة.

وتؤكد أن فهم عوامل الإصابة ومسار المرض ونتائج العلاج يشكل أساساً لبناء استراتيجية وطنية لمكافحة السرطان، خصوصاً في ظل ارتفاع نسبة المرضى الذين يتم تشخيصهم في مراحل متقدمة.

تحديات البحث العلمي في فلسطين

رغم أهمية الإنجاز، تشير الباحثة رانيا أبو سير إلى أن أبحاث السرطان في فلسطين تواجه تحديات كبيرة، أبرزها محدودية التمويل، وضعف البنية التحتية البحثية، وغياب نظام معلومات صحي وطني متكامل.

كما تؤثر القيود المرتبطة بالحركة، والأوضاع السياسية، والضغوط التي تواجه القطاع الصحي، على قدرة الباحثين على متابعة المرضى وجمع البيانات الطبية بصورة مستمرة.

وترى أن تطوير أبحاث السرطان يتطلب تعاوناً مؤسسياً بين الجامعات ووزارة الصحة والمستشفيات والمختبرات، إلى جانب بناء سجلات وطنية دقيقة للمرضى والعينات البيولوجية.

شراكات فلسطينية ودولية

يعتمد المشروع على شراكات محلية ودولية، من بينها التعاون مع وزارة الصحة الفلسطينية وأطباء وباحثين محليين، إضافة إلى التعاون مع باحثين من جامعة Wageningen في هولندا.

وترى د. رانيا أن هذه الشراكات تجمع بين الخبرة الطبية المحلية والمعرفة البحثية الدولية، وتمنح المشروع قدرة أكبر على إنتاج نتائج قابلة للتطبيق محلياً وعالمياً.

من علم الدم إلى أبحاث السرطان

تشكل خلفية الباحثة رانيا أبو سير في علم الدم أساساً مهماً في مسيرتها البحثية، إذ بدأت اهتمامها بأبحاث السرطان من خلال دراسة سرطانات الدم والغدد الليمفاوية، والعوامل الوراثية وغير الوراثية المرتبطة بها.

وتقول: إن هذا المسار شكل جسراً طبيعياً نحو أبحاث سرطان القولون والمستقيم، لأن العديد من المفاهيم البحثية مشتركة، مثل دراسة عوامل الخطورة، والمؤشرات الحيوية، وربط البيانات السريرية بالتحاليل المخبرية.

وتعتبر أن الانتقال من التدريس والعمل الأكاديمي إلى بناء أجندة بحثية مرتبطة باحتياجات صحية وطنية كان من أبرز المحطات في مسيرتها، وصولاً إلى الحصول على منحة WCRF التي تراها بداية لمسار أكبر.

رؤية لمستقبل أبحاث السرطان في فلسطين

تطمح د. رانيا إلى أن تتحول أبحاث السرطان في فلسطين من جهود فردية متفرقة إلى برامج وطنية مستدامة، تقوم على التكامل بين الجامعات والمؤسسات الصحية والباحثين.

وترى أن المستقبل يحتاج إلى تطوير نظم معلومات صحية متكاملة، وسجلات وطنية للسرطان، وبنوك للعينات البيولوجية، بما يسمح بتراكم المعرفة وتطوير وسائل التشخيص والعلاج والمتابعة.

وتؤكد أن التركيز في المرحلة المقبلة يجب ألا يقتصر على علاج السرطان فقط، بل يشمل الوقاية والكشف المبكر وتحسين جودة حياة المرضى بعد العلاج.

الحلم القادم: رعاية أكثر تخصيصًا للمريض الفلسطيني

بعد هذا الإنجاز، تطمح  د. رانيا أبو سير إلى توسيع المشروع ليصبح دراسة وطنية طويلة الأمد تشمل أنواعاً أخرى من السرطان ذات الأولوية في فلسطين، وربط عوامل النمط الحياتي والتغذية والعوامل الوراثية والمؤشرات الحيوية بجودة حياة المرضى.

وتختصر رؤيتها بالقول إن الهدف النهائي ليس فقط إنتاج أبحاث علمية ونشرها، بل تحويل نتائج البحث إلى إرشادات وسياسات وخدمات صحية تحسن حياة المرضى الفلسطينيين وتمنحهم فرصاً أفضل للتعافي.