عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 04 تموز 2026

نعم.. تمنيت!

تغريدة الصباح- حسن حميد

 

 لكم تمنيت لو أنني عشت في زمن كاتب الإنكليز الشهير وليم شكسبير (1564 -1616) الذي ما زال قلب الأدب يتنفس مما أعطى، ومما أبدع، وذلك لسبب وحيد وجيه هو أن أعرف كيف عاش هذا الكاتب، وكيف سحر الناس بأدبه، وكيف جمعهم على الشوق لرؤية ما أبدعه، وفي كل وقت، ومن جديد، وهل هو كائن بشري من لحم ودم ومشاعر وأحلام، أو أنه اسم لكائن افتراضي كتب شعراً خالداً، ومسرحيات قرأت تاريخ البشر، وما أنجزته مدونة الأساطير من نصوص، جمعت بين دفتيها أسرار الحياة.

  ولكم تمنيت لو أنني عشت في زمن بوشكين (1799-1837) أديب روسيا الذي قال باعتداد أنا شاعر، وهو لا يزل على مقاعد الدراسة الابتدائية، وقد لزم مكتبة المعهد الذي درس فيه ساعات الليل كلها تقريباً، ليقرأ ويتعلم، كيما يكتب الشعر الجميل، والنثر الجميل في آن، وذلك لأعرف حقاً، إجابة عن سؤالي: هل انحنت الرقاب، وذلت النفوس، وعميت العيون، حتى خاض مبارزة، عديمة الجدوى، مع آخر حاقد، أصابه بطلق مميت جهاراً نهاراً، وهو يعرف أي جليل يقتل، وأي حياة يصادر!

وتمنيت لو أنني كنت قريباً من شاعر تونس الفذ "أبو القاسم الشابي"( 1909-1934) الذي رحل كمدا،ً وقهراً، وظلماً، وهو في ريعان شهرته الشعرية، وبواكير حضوره المذهل، وقدرته العالية على تطويع الكلام ليصير سحراً حلالاً، تمنيت القرب منه لأقول له: لماذا الكمد، والقهر، والحديث عن المظلومية، لنفر لا قامات لهم، ولا أهمية، لأن شأنهم هو شأن التقول والافتراء! إنهم، يا بن توزر، يخافون من موهبتك، ومن خطواتك الصاعدات نحو المرتقى العالي الأشم، وهم أصحاب (موهبة) أجمعت على القول سرا: إنك تكتب شعراً خالداً، شعراً يضيء، أو قل شعراً علته أنه يضيء حيثما قرّ!

وتمنيت لو عرفت مي زيادة (1886-1941) التي جمعت عبقريات الأدب حولها، لتكون هي مرآة لنصوصهم، والتي اتهمت بالجنون الذي لم يلحظه جبران خليل جبران (1883-1931)، ولا عباس محمود العقاد (1889-1964)، ولا مصطفى صادق الرافعي ( 1880-1937) بينما لحظة، وجهر به، طامع بمالها، وشهرتها، وهو قريب لها، فاحتال، وغرر، وزيف حتى أوصلها  إلى مصحة تعنى بشؤون العقل! تمنيت لو أنني عرفتها لأقول لها: أنت مجنونة فعلاً لأنك أبدعت أدباً جميلاً ، وبنيت حضوراً عزيزاً، وأقمت صروحاً للشهرة هنا، وهنا، وهناك، لا تقوى يد ندية على مسّها ولو مسحاً، وأنك طوّعت المجد ليكون شريكاً لك في الحضور والمهابة.

وتمنيت لو أنني عرفت غسان كنفاني (1936-1972) ابن فلسطين الذي رأى دورها، ومدارسها، وشوارعها الزينة في عكا، وحيفا، ويافا، طفلاً وبعينيه وعقله، فظل مدهوشاً بما رأى حتى رحيله؛ تمنيت رؤيته، والاقتراب منه، لأعرف لبابة عشقه الذي صبغ كل شيء عمل عليه، ولأصرخ بعلو الصوت، يا للأفعال التامات المؤيدات بالعشق، عمل في الصحافة في بيروت، كي يعيش، عمل في خمس صحف في وقت واحد، وحرر منشوراتها في ليلة واحدة. وعرف رؤيا أهل هذه الصحف الخمس، فكتب لكل واحدة ما اتفق عليه مع أصحابها، فكان في الليلة الواحدة، محرراً سياسياً، يكتب المادة السياسية عن أبرز خبر سياسي طالع، ومحرراً أدبياً ثقافياً، يجيز نشر المواد الثقافية والإبداعية، ويكتب عموداً عن حال أدبية ثقافية،ستصبح قضية للنقاش في الصباح؛ ومحرراً للشؤون الفنية، فيكتب لها المقدمات والخواتيم، ويقرأ أخبار الأسواق، ويشرف على باب الحوادث، ثم يمر بصفحة التسلية، فيجعل وجهة كل ما فيها يتحدث عن فلسطين، من الأسئلة العامة، والحزازير، إلى الكلمات المتقاطعة، إلى الأبراج، ويحرر أيضاً الصفحة الأخيرة لصحيفة من هذه الصحف الخمس، وقد كان كل عمل من هذه الأعمال يحتاج إلى ذهنية مختلفة، وشجاعة نادرة، أي يحتاج إلى شخص آخر بموهبة أخرى، ولهذا كان يسارر نفسه مذكراً، بأنه الآن في عالم الفنون، أو أنه في عالم السياسة، أو في عالم الثقافة ،أو في عالم المنوعات، أو في عالم الحوادث والأخبار المحلية! كنت أود، وقد عرفت هذا عن غسان كنفاني، أن أسأل: متى كان ينام هذا الرجل، ومتى كان يكتب كتاباته الإبداعية، ومتى يقرأ، ومتى يأكل، ومتى يخرج ليرى صديقا، أو يحضر فيلماً، أو يجلس ليشرب فنجان قهوة في مقهى، ومتى يلتقي أهله، ومتى، ومتى، ومتى؛ وكنت أود أن أسأل: أما كان يحلم بإصدار مجلة او جريدة فلسطينية، تجول فيها أخبار فلسطين وقضاياها من الصفحة الأولى إلى الصفحة الأخيرة.

  صديق لي، يكبرني بثلاثين سنة، قال لي: في الصباح كان غسان كنفاني يأتي إلى المقهى، ليشرب القهوة، ليرتاح من تعب الامس، وضجيج الأسئلة، فيرى خمس صحف بين أيدي رواد المقهى، فيبتسم لأن الجميع تقريباً يقرؤون ما كتبه، وما حرره، وما دققه تصويباً لمعلومة، أو قاعدة نحوية..في ليلة الأمس، فمن يقرأ المقالة السياسية، يقرأ لغسان، ومن يقرأ صفحة الثقافة يقرأ لغسان، ومن يقرأ صفحة الحوادث يقرأ لغسان، ومن يقرأ الخواطر الوجدانية التي يسري فيها الشوق، و تلفها العاطفة، يقرأ لغسان  أيضاً!

أجل، خلال ست وثلاثين سنة، ومنها عشرون سنة قضاها غسان كنفاني طالب علم في المدارس، والجامعة التي لم ينه سنواتها، كتب كل رواياته التي عرفناها، وكل قصصه، ومسرحياته، ودراساته، ومقالاته التي كانت بوابات لمعرفة الأحوال وخباياها، وكتب رسائل لأصدقائه، ورسائل لدور النشر، والمترجمين، وأجاب عن أسئلة من حاوره في السياسة، والثقافة، والفن، والإبداع الأدبي، ورسم أغلفة الكتب، والمجلات، و(البوسترات) التي غدت جهة للحديث عن أفعال الفلسطينيين الجديدة والمثيرة.

 خلال هذا الوقت القصير، بل القصير جداً، كتب غسان كنفاني روايته (رجال في الشمس) التي هي واحدة من أهم روايات العرب، من حيث الحدث، والمعنى، والمبنى، والغنى الجمالي، وكتب قصصه التي أسست لمدونة قصصية فلسطينية على غاية من الأهمية والمكانة، لأنها حددت شروط النص القصصي الناجح، مثلما حددت معاييره، ترى ألكل هذا، ننادي دائماً،  وفي كل سنة، وفي مثل هذه الآونة: اقترب أيها الكائن الآسر، غسان كنفاني، اقترب، لنعرف من أين استعرت الوقت كي تؤسس مع رفاقك اتحاد الكتّاب الفلسطينيين، ومجلة الهدف، ومدونة أدب الأطفال الفلسطينيين، ومدونة الشعر الفلسطيني الجديد، ومتى تعلمت اللغة الإنكليزية، وما الذي عملته وحرصت عليه، حتى زرعت محبتك في نفوسنا، وصنت اسمك من كل لوم، وبنيت مكانتك الشارقة.. والأيام الثقيلة تمرّ مرّ السحاب! أرجوك، اقترب أكثر..لنعرفك أكثر!

 

Hasanhamid5656@gmail.com