عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 04 تموز 2026

حين تصبح الجامعات ومنصات التواصل ساحات للصراع.. لماذا تحتاج فلسطين إلى دبلوماسية المواطن؟

د. رمزي عودة

لم تعد الحروب تُحسم في ساحات القتال وحدها، بل أصبحت تُدار أيضًا في قاعات الجامعات، وعلى منصات التواصل الاجتماعي، وفي مراكز الأبحاث، ومن خلال المؤثرين وصنّاع المحتوى. فالمعركة لم تعد تدور حول السيطرة على الأرض فقط، وإنما حول كسب العقول، وصناعة الوعي، وفرض الرواية التي ستُشكل فهم الأجيال القادمة لما يجري اليوم.

لقد كشفت الأشهر الأخيرة أن معركة السردية ليست أقل أهمية من المعركة العسكرية. ففي تحقيق موسع نشرته صحيفة الغارديان، استنادًا إلى دراسة أعدتها مجموعة الباحثين Uncivil، تبيّن أن صناعة ما يُعرف بـ”الحوار المدني" و”الحوار عبر الاختلاف” تُقدّر قيمتها بنحو 200 مليون دولار سنوياً، وتنتشر في أكثر من مئة جامعة أمريكية. كما أشارت الدراسة إلى أن عدداً من الجهات الممولة لهذه البرامج يدعم في الوقت نفسه مؤسسات ومنظمات مؤيدة لإسرائيل، وهو ما أثار نقاشاً واسعاً حول تأثير هذا التمويل في تشكيل الخطاب السياسي داخل الجامعات، خاصة مع تصاعد الحراك الطلابي الداعم لفلسطين خلال حرب الابادة ضد غزة والاعتصامات الطلابية في أكثر من 180 جامعة أمريكية طالبت بسحب استثمارات جامعاتها من الجامعات الاسرائيلية.

وفي الاتجاه نفسه، كشفت وثائق وتقارير إعلامية نُشرت بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب في الولايات المتحدة عن حملات رقمية منظمة تستعين بمؤثرين على منصات اجتماعية مثل "تيك توك" و”إنستغرام"، مقابل مبالغ مالية قد تصل إلى آلاف الدولارات للمنشور الواحد، بهدف تحسين صورة إسرائيل والتأثير في الرأي العام العالمي. كما تحدثت التقارير عن برامج تدريبية وخطط لإنتاج محتوى بلغات متعددة تخاطب جماهير مختلفة، في إطار استراتيجية إعلامية متكاملة تعتمد على القوة الناعمة بقدر اعتمادها على القوة السياسية.

ولا تبدو هذه الجهود منفصلة عن الواقع الذي فرضته حرب الابادة على غزة، وما رافقها من تراجع غير مسبوق في صورة إسرائيل لدى قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي. لذلك، لم يعد الاستثمار في الإعلام الرقمي والجامعات خياراً تكميلياً، بل أصبح جزءا أساسياً من استراتيجية طويلة المدى تستهدف التأثير في العقول قبل التأثير في المواقف السياسية. ولهذا نجد أن اسرائيل وأجهزتها الامنية بدأت تتوسع في استخداماتها لمواقع التواصل الاجتماعي ليس فقط في عملية تجنيد العملاء كما درجت على فعل ذلك من خلال الوحدة 8002 وغيرها. وإنما أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي هدفاً اسرائيلياً لانتاج المعرفة المحسنة لصورة اسرائيل في الرأي العام الدولي. ولهذا نجد أن الاستثمارات الاسرائيلية في الجامعات الغربية ليست استثماراً آنياً، بل هو استثمار في المستقبل. فالجامعات، في نهاية المطاف، لا تخرّج طلبة فقط، بل تُخرّج الصحفيين، والأكاديميين، والقضاة، والدبلوماسيين، وصناع القرار. ومن ينجح في التأثير في البيئة الجامعية اليوم، سيحصد نتائج هذا التأثير بعد سنوات عندما ينتقل هؤلاء إلى مواقع التأثير والقرار. ولذلك، فإن القيمة الحقيقية لهذه الاستثمارات لا تُقاس بعدد الندوات أو المنشورات، وإنما بقدرتها على إعادة تشكيل الوعي، وإنتاج المعرفة، وترسيخ سردية قد تصبح المرجع المعتمد في المستقبل.

في المقابل، لا تستطيع فلسطين أن تواجه هذه المعركة بالاعتماد على الموارد المالية وحدها. فالفارق في الإمكانات كبير، لكن الفارق في القدرة على التأثير ليس بالضرورة كذلك لاسيما أن القضية الفلسطينية تمتاز بوضوح عدالتها وسرديتها. وهنا تبرز أهمية دبلوماسية المواطن باعتبارها أحد أهم أدوات القوة الناعمة في العصر الرقمي.

ودبلوماسية المواطن تعني توظيف طاقات المواطنين، في بناء جسور التواصل مع شعوب العالم، ونقل السردية الفلسطينية، والتفاعل مع الجامعات ووسائل الإعلام والمؤسسات الحقوقية ومراكز الفكر، بما يعزز حضور القضية الفلسطينية في الوعي العالمي. وفي زمن أصبحت فيه منصة رقمية واحدة قادرة على الوصول إلى ملايين البشر، بات المواطن العادي يمتلك أداة تأثير قد تضاهي، في بعض الأحيان، تأثير المؤسسات الرسمية.

في الواقع، إن نجاح دبلوماسية المواطن لا يمكن أن يبقى رهين المبادرات الفردية، بل يحتاج إلى رؤية وطنية فلسطينية متكاملة تقوم على عدة مسارات متوازية يمكن ايجازها بالاتي:

أولاً، إعداد جيل من "سفراء فلسطين الرقميين" من الطلبة والأكاديميين والأطباء والمهندسين والفنانين وصناع المحتوى، عبر برامج تدريب احترافية في الاتصال الدولي، والإعلام الرقمي، واللغات الأجنبية، وآليات مخاطبة الرأي العام العالمي.

ثانيا، الانتقال من مخاطبة الذات إلى مخاطبة العالم. فما يزال جزء كبير من المحتوى الفلسطيني موجّهاً للجمهور العربي، في حين أن التأثير الحقيقي يتطلب إنتاج محتوى احترافي بلغات متعددة، يستند إلى القانون الدولي، وحقوق الإنسان، والحقائق الموثقة، ويخاطب المجتمعات الغربية بلغتها وثقافتها ومنظومتها القيمية.

ثالثاً، بناء شراكات طويلة الأمد مع الجامعات، ومراكز الأبحاث، والنقابات، والمؤسسات الحقوقية، والجاليات الفلسطينية والعربية، والمتضامنين حول العالم. فالرأي العام لا يُبنى بمنشور واحد، وإنما بحضور مستمر، وعلاقات متراكمة، وثقة تُكتسب مع الزمن.

رابعاً، تطوير قدرات ممثلي فلسطين، الرسميين وغير الرسميين، المشاركين في المؤتمرات والبرامج الدولية، بما يمكنهم من فهم البيئات الثقافية المختلفة، وصياغة خطاب يتناسب مع كل جمهور، ويستخدم الصورة واللغة والمعرفة الدقيقة لكشف جرائم الاحتلال، وتفنيد الروايات المضللة، وتعزيز الدعم الدولي لحقوق الشعب الفلسطيني.

خامساً، إنشاء مرصد فلسطيني متخصص يتابع الخطاب الرقمي العالمي، ويرصد حملات التضليل، ويقيس اتجاهات الرأي العام، ويوفر للإعلاميين وصناع المحتوى قاعدة بيانات موثقة تساعدهم على إنتاج خطاب أكثر احترافية وتأثيراً. ويمكن الاعتماد في ذلك على بيانات من جهات فلسطينية متعددة مثل دائرة الدبلوماسية الرقمية في وزارة الخارجية الفلسطينية وبيانات الحملة الاكاديمية الدولية لمناهضة الاحتلال والابرتهايد، وغيرها.

في الواقع، إن معركة الوعي ليست معركة لحظية، بل معركة تراكمية تُبنى على المصداقية، والاستمرارية، والثقة. وإذا كانت بعض الدول تستثمر مئات ملايين الدولارات سنوياً لإنتاج المعرفة وصناعة الرواية، فإن الاستثمار الفلسطيني الأكثر جدوى يظل في الإنسان الفلسطيني نفسه؛ في تعزيز صموده، وفي تعليمه، وتأهيله، وتمكينه من مخاطبة العالم بلغته، وبأدواته، وبالحقيقة التي يحملها.

وفي النتيجة، لطالما كانت السردية الفلسطينية، على امتداد عقود، أحد أهم مصادر عدالة القضية وتعزيز حضورها الدولي. واليوم، في عصر الإعلام الرقمي، لم يعد الدفاع عنها مسؤولية السياسي أو الدبلوماسي وحده، بل أصبح مسؤولية كل فلسطيني يمتلك المعرفة، والقدرة على التواصل، والإيمان بأن الكلمة الصادقة، حين تُصاغ بوعي ومهنية، قادرة على أن تكون سلاحاً لا يقل أثراً عن أي أداة أخرى في معركة الحرية والعدالة.