رش الملح على الجرح...
كلمة الحياة الجديدة

ثمة مفردات وصياغات فصائلية، تبدو كأنها عابرة للواقع، والتاريخ، لتظل في كل وقت كما هي في كل بيان، وتصريح، لا تقبل إضافة، ولا أي تحديث، لا للكلمة، ولا للمعنى، ولا للغاية ..!! ...!!
من هذه المفردات، وهذه الصياغات، جملة "التوافق الوطني الشامل"، وجملة "سياسة التفرد والإقصاء" اللتان تسبقهما دائما كلمة (يجب). وثمة كلمة أخرى منافسة لهذه الكلمة، هي كلمة (ينبغي)...!!! في هذه المفردات، وهذه الصياغات، ومع هذه الكلمات، لا ينظر أصحابها إلى أحوالهم، وما تبدل فيهم، لا ينظرون إلى واقعهم، ومستوى تأثيرهم في هذا الواقع، بل لا ينظرون إلى الواقع وما فيه من معطيات ومتغيرات، ومعضلات كبرى، وتحديات جسيمة، تفرض على أقل تقدير جملا جديدة للبيان والتصريح ...!!
وما يتعلق بجملة "التوافق الوطني الشامل" الراسخة في البيان، لا ينظر أصحاب هذه المفردات إلى مواقفهم، وسياساتهم، التي طالما تعارضت حتى مع هذه الجملة، حين كان يظل بعضهم على مائدة طعام ممول ببذخ ...!!
لا يمكن للتوافق الوطني أن يكون شاملا، وفاعلا بصياغات إقليمية، وليس هذا التوافق سلعة تباع وتشترى في سوق المضاربات التجارية ، وليس بابا يطرق كلما استدعت الحاجة الحزبية ذلك ...!!
ذهبت "حماس" مثلا إلى السابع من أكتوبر، بلا أي نوع، ولا أي شكل من أشكال التوافق الوطني، وذهبت ضد الشرعية، ومنهج وسياسة القرار الوطني الواحد، والقانون الواحد، والسلاح الواحد، بل وذهبت حتى ضد التشاور مع الرفاق، رفاقها(...!!) ذهبت باختصار شديد، بسياسة تفرد وإقصاء طالت أقرب المقربين لها، لا بل إن بعض قادة "حماس" لم يكونوا على علم بالطوفان ...!!
لا جدال في هذه الحقيقة، ولا حوار وطني يمكن أن يكون منتجا على نحو إيجابي، دون أن توضع النقاط بهذا الشأن فوق حروفها، ليس ثمة رؤية نقدية لكل ما حدث، ويحدث حتى اللحظة، ما الذي فعله السابع من أكتوبر بالحال الفلسطينية، ما الذي فعله بواقع هذه الحال..؟؟؟ لا نتحدث عن رواية في كتاب فوق رفوف عالية، بل عن واقع يسيل بالدم، وتضيق مخارجه، وتتنوع معظلاته، نتحدث عن حقائق يصعب تجاهلها ..!!
وما الذي فعله السابع من أكتوبر بإسرائيل ...؟؟ يجيب عن هذا السؤال، رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق نفتالي بينيت: "كنا في الطريق إلى تدمير أنفسنا، فارتكب السنوار أكبر خطأ استراتيجي بمهاجمة إسرائيل".. ما فعله السابع من أكتوبر في إسرائيل إذن أنه أوقف التدمير الذاتي فيها، وأعاد لها تماسكها، ولطالما كانت ذريعة إسرائيل الصهيونية، في سبيل تماسكها، تكمن بسياسة مواجهة ما تصفه بالخطر الخارجي ...!!
"نتنياهو" "بن غفير" "سموتريتش" لا يريدون دولة فلسطينية، بزعم أنها ستكون دولة إرهابية في قلب إسرائيل..!! السابع من أكتوبر جعل هذا الافتراء الإسرائيلي ممكنا، ورائجا، وجعل اليمين العنصري المتطرف فيها مهيمنا ...!!
لا بد في المحصلة من رش الملح فوق الجرح، لن نكون ضد التوافق الوطني الشامل أبدا، لكن هذا التوافق بلا رؤية نقدية لن يتحقق، ودون جملة جديدة، جملة بلا أي شعبوية، لن يكون.
رئيس التحرير