عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 13 حزيران 2026

الشعراء ودمار المدن بين الحداثة والخراب

مهيب البرغوثي

منذ أن بدأت المدن تتحول إلى مراكز كبرى للحياة الحديثة، أصبحت حاضرة بقوة في الشعر، لا بوصفها مكانًا جغرافيًا فحسب، بل باعتبارها مرآةً للإنسان وتحولاته. ومع صعود الحداثة، انتقلت المدينة من خلفية للأحداث إلى بطلٍ رئيسي في القصيدة، تحمل أحلام التقدم والتغيير والحرية. لكن المفارقة أن القرن الذي بشّر بالعلم والتطور كان أيضًا قرن الحروب الكبرى والدمار الواسع، فوجد الشعراء أنفسهم أمام مدن تتهاوى تحت القصف والحصار والاحتلال، وأمام إنسان يفقد بيته وذاكرته ومعنى وجوده

وجسد ذلك الشاعر الكبير ت. س. إليوت في قصيدته الشهيرة الأرض اليباب صوّر مدينة حديثة فقدت روحها بعد الحرب العالمية الأولى، حيث تبدو المدينة فضاءً للاغتراب والانهيار الروحي..

اما الشاعر الاسباني فيديريكو غارثيا لوركا فقد  كتب الكثير عن الدمار الذي خلفته الحرب الأهلية الإسبانية.اما الشاعر العراقي الكبير بدرشاكر السياب ابن قرية جيكور

قدّم في العديد من قصائده صورة مدينة منهكة بالفقر والخراب، وربط بين تدهور المكان ومعاناة الإنسان،والشاعر الفلسطيني محمود درويش جعل من المدن الفلسطينية المدمرة أو المحاصرة جزءًا من الذاكرة الوطنية. ففي قصائده تظهر القدس وحيفا وعكا ورام الله وغزة وغيرها بوصفها أماكن تقاوم المحو والنسيان.

وشوقي بزيع كتب بعد الحرب الأهلية اللبنانية عن بيروت الجريحة، ورأى في دمارها مأساة عربية تتجاوز حدود المدينة نفسها

 وتحولت المدن في شعره إلى رموز للفقد والموت.في الشعر القديم، كان خراب المدن يُنظر إليه بوصفه نهاية مرحلة أو سقوط دولة، وكانت القصائد تميل إلى الرثاء واستعادة أمجاد الماضي. أما في الشعر الحديث، فقد أصبح الدمار أكثر تعقيدًا؛ إذ لم يعد خرابًا عمرانيًا فقط، بل تحوّل إلى أزمة وجودية تمس الإنسان نفسه. فالمدينة الحديثة التي وُعدت بأن تكون فضاءً للتقدم والعدالة تحولت، في كثير من الأحيان، إلى مكان للعنف والعزلة والاقتلاع.

لذلك نجد أن عددًا كبيرًا من شعراء الحداثة في العالم كتبوا عن المدن المدمرة بوصفها رمزًا لانهيار القيم والمعاني. لم تعد الأنقاض مجرد حجارة متناثرة، بل صارت لغةً بصرية تعكس هشاشة الحضارة الإنسانية. فكل بناية مهدمة كانت تشير إلى فكرة مهدمة، وكل شارع فارغ كان يعبّر عن فراغ روحي يعيشه الإنسان المعاصر.

وفي التجربة العربية، اكتسب هذا الموضوع بُعدًا أكثر إلحاحًا بسبب كثافة الحروب والنكبات. فمن فلسطين إلى بيروت، ومن بغداد إلى دمشق وغزة، تحولت المدينة إلى جرح مفتوح في الذاكرة الشعرية. لم يكن الشاعر العربي يصف الدمار من مسافة آمنة، بل كان يعيش داخله ويكتب من قلبه. ولذلك ارتبطت صورة المدينة المهدمة بصور الأمهات المنتظرات، والأطفال الذين فقدوا بيوتهم، والأحياء التي اختفت من الخرائط وبقيت حية في الذاكرة..

غير أن الشعراء لم يكونوا مجرد مؤرخين للخراب؛ فوظيفة الشعر لم تكن يومًا تسجيل عدد الضحايا أو حجم الدمار، بل البحث عن المعنى الإنساني وسط الكارثة. ولهذا تحولت القصيدة إلى شكل من أشكال المقاومة الثقافية والروحية. فحين تُمحى المدن، يعيد الشعر بناءها بالكلمات..

إن العلاقة بين الشعر ودمار المدن تكشف جانبًا عميقًا من وظيفة الأدب في زمن الأزمات. فالشاعر لا يستطيع إيقاف الحرب، لكنه يستطيع أن يمنع الخراب من الانتصار الكامل. فالمدينة التي تسقط في الواقع قد تستمر في الحياة داخل القصيدة، والذاكرة التي يحاول العنف محوها تجد في اللغة ملاذها الأخير.

لهذا ظل الشعر، عبر كل العصور، شاهدًا على سقوط المدن، لكنه كان أيضًا شاهدًا على قدرتها الدائمة على النهوض من بين الركام. ففي مواجهة الخراب، لا يملك الشاعر سوى الكلمات، لكنها كثيرًا ما تكون آخر ما يبقى حين ينهار كل شيء