عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 28 تموز 2026

"من الإعاقة البصرية إلى "مملكة البهارات"

ملاك تبني مشروعا خاصا وتشق طريقها نحو الاستقلال الاقتصادي

*مشروع محدود الإمكانات لكنه يحمل أثرا اقتصاديا واجتماعيا يتجاوز حجم رأس ماله

*تدير التسويق عبر الهاتف وصفحات التواصل الاجتماعي مستفيدة من تطبيقات تكنولوجية

*"نبيع على بصيرة"… من البيع التقليدي إلى التسويق المنظم والطموح يتجاوز حدود القرية

سلفيت- الحياة الجديدة- ميساء بشارات-من زاوية صغيرة في منزلها ببلدة ياسوف في محافظة سلفيت، تدير ملاك محمود ياسين مشروعا صغيرا للبهارات، لكنه بالنسبة إليها أكبر من مجرد مصدر دخل؛ فهو مساحة للاستقلال، وإثبات للقدرة على الإنتاج، ومحاولة لتحويل الإعاقة البصرية الجزئية من تحديومي إلى دافع للعمل والاعتماد على النفس.

لم تبدأ ملاك، البالغة من العمر (32) عاما، مشروعها من رأس مال كبير أو متجر مجهز، بل من خبرة تراكمت على مدى نحو ثلاث سنوات، عملت خلالها على عرض وتسويق منتجات بهارات تعود لسيدة أخرى، مقابل هامش ربح بسيط.

أتاحت لها تلك التجربة فرصة التعامل المباشر مع الزبائن، والتعرف على الأصناف الأكثر طلبا، وفهم ما تبحث عنه النساء عند شراء البهارات من حيث الجودة والرائحة والسعر وسهولة الحصول على المنتج.

ومع مرور الوقت، لم تعد ملاك ترغب في البقاء مجرد وسيطة لبيع منتجات الآخرين، خصوصا بعدما اكتسبت ثقة الزبائن وأصبح اسمها معروفا في بلدتها. عندها قررت تأسيس مشروعها الخاص الذي اختارت له اسم "مملكة البهارات".

وتقول ملاك إن الاسم جاء قريبا من اسمها، ويحمل في الوقت ذاته دلالة على التنوع والجودة والتميز، وهي الصفات التي تسعى إلى ترسيخها في أذهان زبائنها.

 

منحة صغيرة تؤسس لمصدر دخل

قبل نحو ثمانية أشهر، حصلت ملاك على منحة بقيمة 1500 شيقل من جمعية نجوم الأمل، شكلت رأس المال الأولي لمشروعها، ومكنتها من شراء كميات من البهارات، وميزان، وأكياس للتعبئة، وآلة لإغلاقها.

ورغم محدودية قيمة المنحة، فإنها كانت كافية لتحويل الفكرة إلى مشروع قائم داخل المنزل، حيث خصصت ملاك خزانة وزاوية لحفظ المنتجات بعيدا عن الهواء والرطوبة، للحفاظ على جودتها ورائحتها.

وتقول إن الحفاظ على رأس المال يمثل أحد أهم التحديات التي تواجهها، إذ تحرص على إعادة استثمار المبلغ في شراء الأصناف التي تنفد، بدلا من إنفاقه، حتى يبقى المشروع قادرا على الاستمرار.

وتقدر مشترياتها الشهرية من البهارات بنحو ألف شيقل في بعض الأشهر، بحسب حجم المبيعات والطلب، فيما تعيد تزويد مخزونها بصورة مستمرة، وقد تشتري في المرة الواحدة بضائع بقيمة (300) شيقل لتعويض الأصناف الناقصة.

هذا التنظيم البسيط جعل منزل ملاك يشبه متجرا صغيرا داخل البلدة؛ فعندما يحتاج أحد الزبائن إلى نوع من البهارات أثناء إعداد الطعام، تتواصل معها وتجد المنتج متوفرا دون انتظار أيام لوصول الطلبية.

 

البهارات سلعة أساسية رغم تراجع القدرة الشرائية

في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة وتراجع القدرة الشرائية، تواجه المشاريع المنزلية الصغيرة منافسة قوية وضغوطا تتعلق بالأسعار وكلفة المواد.لكن ملاك ترى أن البهارات لا تزال من المنتجات الأساسية في غالبية المنازل، حتى وإن قللت العائلات الكميات التي تشتريها.

وتقول: "البهارات ليست مجرد مكونات توضع على الطعام، بل هي التي تمنح الطبخة نكهتها ورائحتها ولونها، ومن الصعب على أي بيت الاستغناء عنها تماما".

ومع ذلك، تحاول ملاك الموازنة بين جودة المنتج وقدرة الزبائن على الدفع. فهي تبيع عبوات صغيرة بأسعار تبدأ من خمسة أو عشرة شواقل، وهي أسعار اعتادت عليها زبائنها، ولذلك تتجنب توفير بعض الأصناف مرتفعة الثمن إذا كانت ستضطر إلى رفع سعر العبوة بصورة قد تقلل الإقبال عليها.

ومن بين الأصناف التي تطمح إلى توفيرها مستقبلا اليانسون النجمي وبعض أنواع البهارات والحبوب الكاملة والمكسرات، إلا أن ارتفاع أسعارها وحاجتها إلى رأس مال إضافي يؤخران هذه الخطوة.

 

الجودة وسيلة للمنافسة

تعتمد ملاك على مصنع محلي للبهارات تعاملت معه خلال سنوات عملها السابقة، وحرصت على الاستمرار معه حتى لا تتغير النكهة التي اعتاد عليها زبائنها.

تصلها المنتجات مطحونة أو مخلوطة وجاهزة، ثم تعيد تعبئتها بالأوزان التي تطلبها الزبائن. وتشمل منتجاتها البهارات الأساسية مثل بهار الدجاج، وبهار الأرز، والكاري، والسبع بهارات، وبهارات المقلوبة والأوزي، إلى جانب خلطات أخرى.

كما حاولت تقديم أصناف غير مألوفة نسبيا في محيطها، من بينها ثلاثة أنواع من البهار المشكل: الفاتح، والغامق، والخشن، إضافة إلى خلطة تتكون من الكزبرة والثوم.

وتقول إن أكثر ما يميز منتجاتها هو قوة الرائحة والنكهة، إلى جانب النظافة في التعبئة، وحفظ البهارات في مكان مغلق بعيدا عن الهواء.

وقد لاحظت أن عددا من الزبائن يأتي لشراء نوع أو نوعين، لكنهم يختارون أصنافا إضافية بمجرد فتح الخزانة وشم رائحة البهارات.

 

مشروع عائلي تديره التكنولوجيا

لا تخلو إدارة المشروع من صعوبات ترتبط بالإعاقة البصرية الجزئية التي تعاني منها ملاك، إذ يصعب عليها قراءة الأرقام الصغيرة على الميزان أو أسماء الأصناف المكتوبة بخط دقيق.

وهنا يأتي دور والدتها، التي تساعدها في الوزن وكتابة أسماء البهارات وتجهيز الطلبيات.أما ملاك فتتولى استقبال الطلبات والرد على الزبائن وإدارة التسويق عبر الهاتف وصفحات التواصل الاجتماعي، مستخدمة خاصية النطق الجزئي على هاتفها.

وتؤكد أن قدرتها على استخدام التكنولوجيا منحتها استقلالية كبيرة، فهي تتابع الرسائل عبر واتساب وماسنجر وفيسبوك، وتسجل الطلبات، وتتواصل مع التاجر، وتدير العلاقة مع الزبائن.كما أصبحت قادرة على تمييز عدد من الأصناف من خلال رائحتها، وتقديم معلومات للزبائن حول استخدام كل نوع، رغم أنها لا تمارس الطبخ بنفسها.

 

دخل شخصي وأثر اجتماعي

لا تقيس ملاك نجاح مشروعها بالأرباح وحدها، بل بما أحدثه من تغيير في حياتها النفسية والاجتماعية.فقبل تأسيس "مملكة البهارات"، كانت تقضي وقتا طويلا داخل المنزل وتشعر بالعزلة والحاجة الدائمة إلى مساعدة الآخرين في توفير احتياجاتها.

أما اليوم، فقد أصبح المشروع مصدر دخل يساهم في تغطية نفقاتها الشخصية، بما في ذلك ثمن الأدوية وبعض الاحتياجات اليومية، كما يسمح لها بالمساهمة في مساعدة أسرتها.وتقول: "المشروع لم يمنحني دخلا فقط، بل حسن نفسيتي، ووسع علاقاتي داخل القرية، وجعلني أشعر بأن الإعاقة ليست عائقًا أمام العمل والنجاح".

وتضيف أن المشروع أصبح جزءا من هويتها، إذ بات سكان القرية يعرفونها من خلال "مملكة البهارات"، وهو ما عزز ثقتها بنفسها وشعورها بأنها فرد منتج داخل مجتمعها.

 

من البيع التقليدي إلى التسويق المنظم

شكلت مشاركة ملاك في برنامج "نبيع على بصيرة"، الذي أعده وقدمه المدرب والمستشار علاء راغب جيطان بالتعاون مع جمعية رعاية الكفيف في محافظة نابلس، مرحلة جديدة في مسار المشروع.

ففي السابق، كانت ملاك تعتمد بصورة أساسية على مجموعة مغلقة على موقع "فيسبوك" وعلى العلاقات الشخصية داخل القرية لتسويق منتجاتها.لكن الدورة ساعدتها على فهم التسويق والبيع بصورة أكثر تنظيما، بدءا من التعرف على احتياجات الزبون، ووصولا إلى كتابة المنشورات وعرض المنتج وبناء الثقة قبل إتمام عملية البيع.

كما ساعدها المدرب في إنشاء صفحة خاصة بالمشروع على "فيسبوك" بدلا من الاكتفاء بالمجموعة، وهو ما فتح أمامها فرصة للوصول إلى جمهور أوسع وتقديم منتجاتها بصورة أكثر مهنية.

وتقول ملاك إن الدورة لم تمنحها معلومات تسويقية فقط، بل زادت ثقتها بقدرتها على الاستمرار، وعلمتها أن نجاح المشروع لا يتحقق من خلال منشور واحد أو فترة قصيرة من النشاط، وإنما من خلال المتابعة المستمرة والتفاعل المنتظم مع الزبائن.

 

طموح يتجاوز حدود القرية

تتركز مبيعات "مملكة البهارات" حاليا داخل بلدة ياسوف، مع إرسال طلبيات محدودة إلى مدينة سلفيت.لكن ملاك تطمح خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة إلى توسيع نطاق المشروع، والوصول إلى محافظات أخرى، سواء من خلال شركات التوصيل أو نقاط البيع.

كما تحلم بافتتاح محل صغير يحمل اسم المشروع، وتطوير التغليف والعلامة التجارية، وتوسيع قائمة المنتجات، وتوفير فرص عمل لأشخاص آخرين، ولا سيما للأشخاص ذوي الإعاقة.

 

حلم صغير بنكهة الإصرار

من داخل منزلها، تدير ملاك مشروعا محدود الإمكانات، لكنه يحمل أثرا اقتصاديا واجتماعيا يتجاوز حجم رأس ماله.

فـ"مملكة البهارات" ليست فقط مشروعا لبيع خلطات الطعام، بل تجربة توضح كيف يمكن لمنحة صغيرة، وتدريب مناسب، ودعم عائلي، أن تساعد شخصا من ذوي الإعاقة على بناء مصدر دخل واستعادة ثقته بنفسه.

وبين رائحة الكمون والكاري وبهارات الدجاج، تواصل ملاك تعبئة حلمها في أكياس صغيرة، على أمل أن يصل اسم "مملكة البهارات" يوما إلى كل بيت فلسطيني، وأن تصبح تجربتها دليلا على أن الإعاقة لا تلغي القدرة على الإنتاج، وأن النجاح قد يبدأ من زاوية متواضعة في منزل، لكنه يكبر بالإرادة والعمل والاستمرار.