تحديث تعريف النكبة !!
سؤال عالماشي - موفق مطر

بات واجبا علينا تحديث تعريف النكبة، فمعناها لم يعد يقتصر على المؤامرة التي تعرض لها الشعب الفلسطيني، ورافقها الغزو الاستعماري الاحتلالي والمجازر وتهجير 950 ألف مواطن فلسطيني من موطنهم التاريخي والطبيعي، ومن ديارهم وأراضيهم وتحويلهم الى لاجئين، ولا خديعة كبرى صدقها الفلسطينيون، حينما طلب منهم مغادرة ارض بلدهم لمدة اسبوع، بحجة تحريرها وتمكينهم من حكم فلسطين في الخامس عشر من ايار 1948 !!!
ليس هذا وحسب بل فيمن قرأ، أو ربما عاش سنوات اتقاد الذاكرة، وكانت حواسه شاهدة على النكبة، وعندما مضت السنون بين خيام اللاجئين ولم يحتفظ بآلام تلك السنوات المريرة ومعاناتها، فهانت عليه مآسي اهله والشعب الذي يدعي الانتماء اليه، فيمن لجأ الى اوكار الكافرين بالانتماء الوطني، واعتبروا الوطن "مجرد حفنة تراب عفنة" فيمن مارس انخرط في حلقات المؤامرة المتتابعة على الشعب الفلسطيني، وسخر نفسه أداة طيعة لتنفيذ اجندات خارجية، اخفاها بستار كثيف من الشعارات الغوغائية، صبغها بعبارات دينية تارة، وقومية، ونظريات مستوردة تارة اخرى، واستغل مشاعر الجماهير المتأججة أصلا بفعل المجازر والحروب المتتابعة، واخذ الجماهير الفلسطينية وحشرها كأعواد الثقاب في علبة جماعته الفئوية، يشعل بعضها ليتلهى ويتلذذ كما نيرون روما، ويشعلها مرة واحدة، أو يلقيها مشتعلة في بيئة مهيأة للحرائق الكبرى لا تحتاج لأكثر من شرارة.
والنكبة هنا أنه يعرف ذلك تماما، لكن رغبته بصنع تاريخ لنفسه أعماه عن تلمس أي تصور أو حسابات عقلانية، أو مراجعة بحثية لأحداث قريبة عاشها، وبعيدة ما زال الشعب الفلسطيني يعاني من آثارها، النكبة تكمن فيمن هيأت له نفسه الأمارة بالسوء أخذ قرار بدخول المسار الزمني والمكاني الخاطئ، وهو على يقين أنه مكدس بألغام ستنفجر حتما وسيكون ضحيتها مئات الآلاف من الشعب ودمار عظيم يفوق دمار الكوارث الطبيعية، النكبة فيمن اعتبر الواقعية السياسية كفرا والحكمة خيانة، وهو ذاته الذي منح الغزاة الذريعة لإخراج ملايين الفلسطينيين في قطاع غزة من دائرة الحياة وزجهم في دوائر النزوح ونزيف الأنفس والأرواح والدماء، بعد أن اجهد نفسه بتخوين وتكفير الفلسطيني الوطني العاقل الحكيم والمخلص، الذي جسد حق العودة – ولو جزئيا - الى ارض الوطن، وبنى مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية (نواة دولة فلسطين).
ولم يصدق الناس أنهم مدفوعون الى نكبة تفوق نكبة سنة 1948 إلا عندما تبينت بصيرتهم نقطة التقاء المشروعين التوأمين الصهيوني الديني التلمودي والاخواني القطبي المطور بمحرك فارسي، فللثلاثة هدف واحد: وهو سرقة القرار الوطني الفلسطيني المستقل، وألا ينجز الشعب الفلسطيني استقلاله بدولة ذات سيادة، فإن كان الطمع بالاستيلاء على الأرض المقدسة فلسطين، والسيطرة على القدس الشرقية برموزها المقدسة بأي ثمن قد تسبب بالنكبة الأولى، فإن استخدام المنكوب اصلا بعقله وثقافته ومعرفته وبمساره الخارج عن مسار الانسانية لهذه المقدسات، لتحقيق أهداف عصبوية فئوية متخلفة ومنفصلة تماما عن الثوابت والأهداف الوطنية قد تسبب بأم النكبات المتتابعة أحداث الابادة الجماعية الدموية المدمرة بسلاح جيش حكومة منظومة الاحتلال والاستعمار العنصرية التلمودية (اسرائيل ) منذ 960 يوما!!
ورغم تفاعل الضمائر الانسانية من كل اجناس وأعراق أمة الانسان في مشارق الأرض ومغاربها مع أحداث ومشاهد الابادة غير المسبوقة بالنسبة والتناسب كما وصفها خبراء وساسة أوروبيون، إلا أنها لم تستفز ولم توقظ ضميرا لدى واحد من الذين اعتبروا قدرتهم على دفع الشعب الفلسطيني قسرا نحو مربع الخطر على الوجود انتصارا نعتوه يوما بالنصر الالهي، وحملوا رأس الشعب الفلسطيني النازف الى وليهم في بلاد فارس لإثبات ولائهم وطاعتهم واستمرارهم في خدمة جيش الولي الفقيه!!
فهل من نكبة تتفوق في فظاعتها عن هذه النكبة، في زمن اعتراف العالم بالشعب الفلسطيني وممثله الشرعي والوحيد منظمة التحرير الفلسطينية، وحقه بدولة مستقلة ذات سيادة عاصمتها القدس الشرقية على أرض وطنه التاريخي والطبيعي فلسطين؟!
هذا ليس فصلا في كتاب النكبة، وإنما هو النكبة بعينها التي اضاعت بلادا وشردت شعوبا .. ولكن فلسطين بأرضها وشعبها لن تقبل بالنكبة قدرا فحولت واقعها في سنة 1948 الى ثورة، وستحول النكبة بارادة وطنية وانسانية خالصة، وإيمان راسخ بحق الشعب الفلسطيني بالحياة والحرية والسلام الى دولة.