عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 05 أيار 2026

المياه المعالجة: أمل جديد لبساتين فلسطين في زمن شحّ المياه وارتفاع الأسعار

وسام سوداح

في ظل التحديات التي يواجهها القطاع الزراعي في فلسطين، وعلى رأسها شحّ المياه وارتفاع تكاليفها، يضطر العديد من المزارعين إلى ترك أراضيهم الزراعية أو العزوف عن استثمارها وزراعتها، نتيجة الأعباء المتزايدة وصعوبة الاستمرار في الإنتاج الزراعي تحت هذه الظروف.

وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن ما يقارب 50–70%، وأحيانًا أكثر من ذلك، من المياه المتاحة تُستخدم في القطاع الزراعي، وهو ما يعكس حجم الضغط الكبير على هذا القطاع الحيوي.

في هذا السياق، تبرز المياه المعالجة كأحد أهم الحلول المطروحة، خاصة لمزارعي الأشجار المثمرة، إذ تُشكّل مصدرًا غير تقليدي للمياه يمكن الاعتماد عليه في دعم الإنتاج الزراعي وتقليل الضغط على الموارد المائية التقليدية.

وتُعرَّف المياه المعالجة بأنها مياه الصرف الصحي التي تتم معالجتها بطرق فيزيائية وكيميائية وبيولوجية، وقد تُستخدم في مراحل متقدمة تقنيات إضافية مثل غاز الأوزون أو الأشعة فوق البنفسجية (UV) بهدف رفع مستوى التعقيم والأمان، بما يتيح إعادة استخدامها بشكل آمن في مجالات متعددة، وعلى رأسها القطاع الزراعي. وتختلف درجات المعالجة بحسب طبيعة الاستخدام، حيث يتطلب الاستخدام الزراعي مستويات محددة تضمن سلامة التربة والنبات والإنسان وتحدّ من أي آثار سلبية محتملة.

 ويُعد استخدام المياه المعالجة أكثر شيوعًا في ري الأشجار المثمرة مقارنة بمحاصيل الخضراوات، خاصة الورقية منها، حيث تفرض المعايير الصحية قيودًا أكثر صرامة على استخدامها.

وتشير تقارير وخبرات فنية إلى أن الأشجار المثمرة تُعد أكثر أمانًا وملاءمة لهذا النوع من المياه عند توفر معالجة مناسبة. ويعود ذلك إلى حساسية الخضراوات الورقية وسرعة نموها واستهلاكها المباشر، ما يتطلب درجات أعلى من المعالجة والرقابة لضمان خلوها من أي ملوثات قد تؤثر على صحة الإنسان.

وعلى الرغم من محدودية الموارد المائية في فلسطين، وما يتعرض له الفلسطينيون من قيود على الوصول إلى مصادر المياه، بما في ذلك السيطرة الاسرائيلية على جزء كبير من الموارد المائية الفلسطينية وفرض قيود على حفر الآبار واستغلال المياه الجوفية، شهدت السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا في إنشاء محطات معالجة المياه، سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة.

وتعمل هذه المحطات على معالجة مياه الصرف الصحي وإعادة استخدامها في الزراعة، رغم ما تواجهه من تحديات تشغيلية وتمويلية، إضافة إلى محدودية إقبال بعض المزارعين نتيجة عدم وضوح الجدوى الاقتصادية لديهم. وتشير التقديرات إلى وجود أكثر من 20 محطة لمعالجة المياه العادمة في فلسطين، إلا أن جزءًا منها لا يعمل بكامل طاقته أو يواجه صعوبات تشغيلية.

وتؤكد الدراسات أن استخدام المياه المعالجة في ري الأشجار المثمرة يحقق فوائد اقتصادية ملموسة للمزارعين، إذ تحتوي هذه المياه على عناصر غذائية أساسية مثل النيتروجين والفوسفور، ما يقلل الحاجة إلى الأسمدة الكيميائية ويخفض تكاليف الإنتاج. كما أن تكلفة المتر المكعب من المياه المعالجة تُعد أقل بكثير من تكلفة المياه التقليدية المستخدمة في الزراعة، والتي تتراوح في بعض المناطق بين 4 إلى 7 شواقل، الأمر الذي ينعكس مباشرة على تقليل الأعباء المالية على المزارع.

وتشير تقديرات فنية إلى أن استخدام المياه المعالجة في ري بعض المحاصيل، مثل المشمش، يمكن أن يوفر على المزارع ما يقارب 250 إلى 300 ألف شيقل خلال فترة تمتد إلى 30 عامًا، وهو ما يعكس الأثر الاقتصادي طويل الأمد لهذا الخيار.

إن تعزيز استخدام المياه المعالجة من شأنه أن يدفع المزارعين نحو التوسع في زراعة الأشجار المثمرة وإدخال أصناف زراعية جديدة، بما يسهم في تقليل الاعتماد على السوق الخارجية واستيراد هذه المحاصيل، وتعزيز الأمن الغذائي الفلسطيني، إلى جانب دعم الاقتصاد الوطني وتحسين دخل المزارعين على المدى الطويل.

في المحصلة، لا يمكن اعتبار المياه المعالجة حلًا سحريًا لأزمة المياه في فلسطين، لكنها تمثل مصدرًا غير تقليدي واستراتيجيا يمكن أن يسهم في دعم القطاع الزراعي وإنقاذ بساتين المزارعين، إذا ما أُحسن استخدامها وتم تطوير البنية التحتية لمحطات المعالجة وتعزيز كفاءتها بشكل مستمر. وقد يشكل ذلك بارقة أمل في تعزيز صمود المزارع الفلسطيني في أرضه، والمساهمة في تحقيق الأمن الغذائي على المدى البعيد.