ليس الدمار هو القصة، بل انهيار مفهوم التقدم الإنساني نفسه. غزة تُظهر أن التاريخ لا يتحرك
دائماً إلى الأمام؛ يمكن أن يعود إلى الخلف.
في 20 نيسان 2026، صدر تقرير دولي مشترك عن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك
الدولي بعنوان التقييم السريع للأضرار والاحتياجات في غزة (RDNA) لم يكن التقرير مجرد
توثيق للدمار، بل محاولة لرسم صورة شاملة لما حدث لمجتمع كامل خلال عامين من الحرب.
قدّر التقرير كلفة التعافي وإعادة الإعمار بنحو 71.4 مليار دولار، رقم ضخم بكل المقاييس،
لكنه ليس الأكثر دلالة.
الرقم الحقيقي الذي يلخص المأساة جاء هادئاً في سطر واحد: التنمية البشرية في غزة تراجعت
77 عاماً إلى الوراء.
هذا الرقم وحده كافٍ لإعادة تعريف ما حدث، لكنه ليس إلا مدخلاً لصورة أوسع وأكثر قسوة.
حين يقول التقرير إن التنمية البشرية تراجعت 77 عاماً، فهو لا يتحدث عن رقم رمزي، بل عن
واقع ملموس، نظام تعليمي لم يعد قادراً على إنتاج مستقبل، نظام صحي عاجز عن حماية
الحياة، واقتصاد لم يعد قادراً على خلق الأمل.
أي أن المجتمع عاد إلى مستوى ما قبل تشكّل بنيته الحديثة. بمعنى آخر: ليس فقط ما دُمّر
كبيراً… بل ما فُقد من الزمن أكبر.
نحن هنا لا نقرأ رقماً اقتصادياً، بل نواجه حقيقة أكثر قسوة: الزمن نفسه أصبح ضحية حرب.
نشهد لحظة تاريخية نادرة يعود فيها مجتمع كامل إلى ما قبل جيلين دفعة واحدة، وكأن عقارب
الساعة لم تتوقف فقط، بل أُجبرت على الدوران إلى الخلف.
جيل كامل استيقظ ليكتشف أن الحياة التي كان يستعد لها… لم تعد موجودة.
يصف التقرير ما حدث بأنه انهيار متعدد القطاعات في وقت واحد أكثر من 371 ألف وحدة
سكنية دُمّرت أو تضررت ، أكثر من نصف المستشفيات خارج الخدمة ، جميع المدارس تقريباً
تضررت أو توقفت، نحو 1.9 مليون إنسان تعرّضوا للنزوح، كثير منهم مرات متعددة . هذه
ليست أرقاماً منفصلة، بل نظام كامل انهار دفعة واحدة. التعليم، الصحة، السكن، والدخل ،
الضرر ليس تدريجياً بل سقطت معاً.
من أخطر ما يوثقه التقرير هو الانهيار الاقتصادي انكماش الاقتصاد بنسبة 84 % توقف شبه
كامل لدورة الإنتاج تحوّل المجتمع إلى الاعتماد على المساعدات . هذا ليس ركوداً اقتصادياً، بل
حالة أقرب إلى تفكك اقتصادي كامل، حيث لم يعد الاقتصاد قادراً على أداء وظيفته الأساسية:
خلق فرص للحياة.
التحدي الحقيقي لا يكمن في حجم الأموال المطلوبة، بل في طبيعة الإعمار نفسه.
فإعادة البناء دون تغيير في الواقع السياسي والاقتصادي تعني ببساطة إعادة إنتاج الهشاشة التي
قادت إلى الانهيار.
المليارات قد تعيد بناء الطرق والمساكن، لكنها لا تضمن استقراراً دائماً ولا اقتصاداً قابلاً
للحياة.
المساعدات الإنسانية تُبقي الناس على قيد الحياة، لكنها لا تعيد إليهم الأفق.
من دون تغيير حقيقي، ستتحول عملية الإعمار إلى دورة متكررة بناء… ثم انهيار… ثم بناء
جديد.
رغم دقته، يبقى التقرير وثيقة فنية لا سياسية. هو يحدد الأضرار، يقدّر التكاليف، ويرسم مسار
التعافي، لكنه لا يجيب عن السؤال الأهم: كيف يمكن منع تكرار هذا الانهيار؟
يؤكد التقرير أن التعافي يجب أن يسير بالتوازي مع المساعدات الإنسانية، في انتقال تدريجي
من الإغاثة إلى إعادة البناء.
لكن هنا تظهر الفجوة، التقارير تُدير التعافي… لكنها لا تضمن استدامته.
يبدو تقرير RDNA في ظاهره وثيقة اقتصادية وإنمائية، لكنه في جوهره يسجل لحظة
تاريخية نادرة: مجتمع كامل عاد 77 عاماً إلى الوراء خلال عامين فقط. هذا لا يعكس فقط حجم
الكارثة في غزة، بل يطرح سؤالاً أوسع: إذا كان من الممكن أن ينهار هذا القدر من التقدم بهذه
السرعة، فهل المشكلة في الحرب فقط… أم في هشاشة النظام الذي كان يفترض أن يحمي هذا
التقدم؟
في النهاية، يقدم التقرير أرقاماً دقيقة، لكن معناه الحقيقي أبسط وأقسى: إعادة إعمار غزة ليست
مجرد إعادة بناء ما تهدّم، بل محاولة استعادة زمنٍ فُقد.. وقد لا يعود بسهولة.