عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 02 أيار 2026

المربع الذهبي!

تغريدة الصباح- حسن حميد

 

  لأنهم شعراء متميزون، مختلفون، أهل شجاعة في التجريب والمخاطرة الشعرية، والصمت، والتأمل، وتعدد القراءات لمعرفة أفخاخ النصوص والتجارب، وعشاق للنائيات المضمرات في البساطة المتناهية في الدقة والتأثير، خصتهم (أركانة) المغربية الأدبية بمفاجأة نادرة في الاختلاف، والجدة، وكسر رتابة الجوائز، والجرأة .. بإسناد جائزتها لهم؛ شعراء فلسطينيون أربعة، يتفقون في الكثير، ويختلفون في الكثير أيضاً، فكانوا صيدها الثمين في عامها الشعري 2026، هم غسان زقطان، ويوسف عبد العزيز، وطاهر رياض، وزهير أبو شايب، وهم من أبرز شعراء الجيل الرابع من أجيال الشعرية الفلسطينية الذين تجلت أسماؤهم منذ بدايات نشرهم لنصوصهم الأولى على صفحات الصحف والمجلات المهتمة بالشعر والإبداع.

 الشعراء الأربعة، جمعتهم جغرافية الأرض، وجغرافية النص، وجغرافية الإبداع، وجغرافية الألم، وجغرافية الأحلام، هم من مواليد عقد الخمسينيات في القرن العشرين المنصرم، عاشوا في بيوتهم ما عاشته الأسر الفلسطينية، من هجرة، وتشريد، وعوز، وأسئلة مرة، وبحث عن مكانة، وهم أهل تجريب، وجرأة في طلب المغايرة، وعشاق للاحتراق في نار هم أوقدوها، في وسط أدبي فلسطيني وعربي مزدحم بالأسماء المشعة مثل الأحجار الكريمة، وأربعتهم .. أراد كل منهم أن تكون له رقعته الأرجوانية الشعرية الخاصة به في زمن احتدام المنافسة بين أجيال فلسطينية شعرية ثلاثة سبقتهم، راح فرسانها يكتبون الشعر بمناددة جمالية فذة أكرمت الشعر الفلسطيني والعربي بالحضور والخصوصية والمكانة، وفي جميع عواصم الثقافة العربية طراً.

غسان زقطان (1954) سليل بيت شعري، كل ما فيه، وأعز ما فيه هي الكتب، والنصوص الجديدة، وأحاديث الثقافة، وأخبار الصحف والمجلات، وما يحمله إليه سعادة البريد يومياً من منشورات آتية من دور النشر، ووزارات الثقافة العربية، ومراكز الدراسات والأبحاث، وكلها تدور حول متون الشعر وغاياته، وتجارب الشعراء العرب من المغرب والمشرق العربيين، ومن البلاد الأجنبية! عاش غسان زقطان بين الكتب ووسطها، فهي نعمة من نعم البيت، وهي من سكانه، والكل يسأل ويتحدث عنها، والكل يكتب، ويشير، ويستند، ويحيل إليها، وهي مثل الهواء تدور بين أيديهم، وبهم، والكل يقرأ فيها، وبعض هوامش صفحاتها ممتلئة بملاحظات قراء البيت، وهم معروفون من خطوطهم.

قدر غسان زقطان، كان أن ينشد إلى جغرافية البيت والمخيم والوطن، وأن يتأثر بسير أهل البيت وتجاربهم، من الأب إلى الأخت إلى الأخ، وكلهم أهل ثقافة وإبداع ومكانة، لهذا كتب الشعر وعاشه بوصفه صديقا ألوفا، رغم كل مشاغبات المخيم وظروفه العجيبة، ورغم الركض في دروب الصحافة التي عرفها وعاشها وهي تطوي الوقت وتهدره، وتتعب العقل والقلب بحوارات لا تنتهي عادة إلا بغضب جهوم، لأن كل شيء في الأخبار، والصحيفة، والمجلة، والمقهى، والشارع، والكتابة هو من صنع الشيطان!

ورغم حضور الشعراء، والقصائد المضيئة.. كتب غسان زقطان القصائد الصعبة التي نحاها الآخرون أو ابتعدوا عنها، كتب عن البسيط المفقود، كتب عن ملح الطعام، لا عن الطعام، وعن حبق العتبة، لا عن الباب المهول، كتب عن كل ما هو جدير بالتأمل، من قولة الآه إلى مفتاح البيت الذي نسيه عجوز فلسطيني في جيب سترته الطويلة التي ظلت معلقة على مسمار، فصار العجوز والمسار وحيدين، لذلك كان شعر غسان يحتاج إلى عين رائية ترى لبابات نصوصه، وراقاتها الداخلية وقد ظفر بمثل هذه العين مرات، ومنها عين (أركانة) المغربية.

وطاهر رياض (1956) الشاعر المتأمل، صاحب السطور الشعرية الرزينة، جعل حياته قراءات وأسئلة وورقاً ليكتب ما أنهمت به روحه، وما يفكر به، وما قر في وعيه، ويرسم أحزانه قصائد، وهو يرى ما يرى حوله، ويعيش دورة الحياة القائمة على سؤال وجيع، مفتتحه (لماذا؟)، أما كيف صان طاهر رياض (التأمل) وابقاه صديقا، في زمن كله شغب، وصراخ، وبكاء، وشكوى، فهنا تكمن الخصوصية، فهو لم يكن مستعجلاً في أي أمر، ولم يؤمن بأن الشعر زفرة أو قولة أو طلقة، لقد آمن بأن الشعر هو كتاب، وعلى الكتب أن تكون كتباً، لهذا، ومن أجله، روّى روحه بالقراءات البعيدة والقريبة، وسمع وأنصت وحاور، البشر والطبيعة، ليكتب نصوصه التي ميزته من غيره، وبنت مكانته، وأيدت حضوره بين شعراء، كان كل واحد منهم جغرافية شعرية، ولعلي أجازف، فأقول إن طاهر رياض كتب أسراره شعراً، فكان كل ما فيها خبراً طالعاً، وحدثاً بكراً، ودهشة تخطاه البصر، لهذا وعت (أركانة) ما في قصيدته من معنى ومبنى ومغنى، وعرفت جوهرها.

 ويوسف عبد العزيز (1956) الذي اكتوى بما رأى، وحدث، وصار في عام 1967، وهو ابن عشر سنوات، حين ترك بيت الطفولة، وبراريها، رغماً عنه ليعيش في خيمة اللجوء، في ضواحي مدينة عمان، وما اكتظت به من أقوال، وأفكار، وذكريات، ومواجع، وأحلام! كبر في المخيم، وتعلم فيه، وسمع ما يقوله الرواة في ليالي السهر، وفي ظلال الخيام ضحى، وفي المقابر حين راح الفدائيوان يعودون في الخشب الصقيل، ووعى ما في الحزن من تراجيديا، نهاياتها بلا خواتيم، لذلك آخى الحبر، كي يرمي الكثير من مرارة العيش وراء ظهره من أجل أن يرى العشب أخضر، والغيم دفاتر.. سطورها مطر. يوسف عبد العزيز لم يكتب قصائده وحيداً،  لأن طفولته شاركته الكتابة، فكانت النصوص مجازاً يمنح المخيم نعمة الهدأة والروية كي تبدو تفاصيل عالمين اثنين، هما: الحزن، والمعنى، والمخيم، في كليته، هو حزن الحكاية، ومعنى الحياة؛ مبكراً نشر يوسف عبد العزيز قصائده  الأولى، شأنه شأن الشعراء القدامى والمعاصرين، معلناً تورطه الشعري، وتقفي خطا عالم الطفولة، وما فيه من سحر حلال، واعتماد البساطة، لتكون ذهولا، والرؤى لتكون حذراً  يشبه حذر الطيور حين تحط وحين تطير، لقد طوع يوسف عبد العزيز الشعر امتلاكاً ليقول ما هو عادي مرة أخرى لكثرة غناه، فكان مغني المخيم، والمرتجى..حين عمد الذاكرة لتصير قنطرة العبور الثمين نحو البيوت، نعم، شعر يوسف عبد العزيز هو غناء الروح الفلسطينية الوجيعة التي تناهبتها حيوات المخيم، والحزن، والفقد، والعتمة، والرجاءات والأحلام، وهو شعر قريب حميم ألوف مثل نباتات النعناع  البادية عند عتبة كل بيت فلسطيني، لهذا انتبهت إليه (أركانة) المغربية، ويا لانتباهات أهل المغرب العزيزة.

وزهير أبو شايب، المفرد، كما أراد، في الحضور والكينونة، لا يشذ عن أحد من رفاقه الثلاثة، فهو رابعهم من حيث مهابة الشعر وهيبته، والجلوس في حضرته،  جلوس شاربي المعرفة بالطواسين، وجلوس الندماء من أهل الحواس الموقدة العطشى للمعاني الغائرات، فهو، حين كتب، كتب عن الألم الذي  يمشي على قدمين، مثلما تمشي الظلال من شجرة إلى  شجرة، لقد كتب الألم صوراً، وألواناً، ودوائر، وخطوطاً، وبيوتاً، وتلويحات للمناديل التي رنخها عرق العافية، كيما تبدو النفس الجهيدة الباحثة عن نوافذ الحياة وهي في لياقتها الأتم، وزهير أبو شايب هو أصعب شاعر في جيله، لأنه أراد أن يقول الشعر قولة العارف بالفنون وبالشعر والنثر وأساليبها كلها، وأن ينجو بقصيدته كي لا تحط مرغمة، مثل الطيورـ حين تتعب- في أي منها، لقد كتب الشعر بالتراسل الجميل ما بين الآداب والفنون، وعبر تواصل خيوط غير مرئية، كي تحافظ القصيدة على صفائها، مثل الغدران مثل الينابيع.

زهير أبو شايب، وهنا نشيده، كتب قصائده ليفكك جهامة الحياة الحرون، ليجعلها بسيطة، وعادية، فلا يدري المرء كيف يقع في عشقها، تماماً مثل التنفس والمشي والخوف والضعف وقلة الحيلة والحب وشم رائحة الكعك.. ، وزهير أبو شايب، وهنا سلوكه، لم يعرف الركض نحو الشهرة، لأنها كانت دانية منه أكثر مما ينبغي، ولم يفكر بخوض حوار مع القصيدة ليعرف أحدهما الآخر، ولم يسع ليتعلم من تجارب النشر، لأنه وعى بأن الجمال الحق لا يحتاج إلى المضايفات، بل يحتاج إلى التراب، والتراب بيئة.. لهذا كان في مربع رؤيا (أركانة) المغربية وهو مربع ذهبي.

بلى، طوبى للشعر وموسيقاه وأسراره، وطوبى للشعراء أهل الرؤى العميقة، والهدوء الجم، وطوبى لمعاني فلسطين الجاريات جري الأنهار، والباديات  ضوءا في النهار، ونورا في الليل، وطوبى لأهل العيون المغربية اليواقظ.. الرائيات حقاً.

Hasanhamid5656@gmail.com