عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 31 آذار 2026

يوم الأرض ليس ذكرى.. وإنما تحرير معنى الوطن

سؤال عالماشي- موفق مطر

الانسان، الوعي، الأرض، والقانون، مربع قاعدة البناء الهرمي الذي لا بد منه لضمان ديمومة حضارية لأي شعب يؤمن أفراده بعقيدة الإنسانية الجامعة، ومحورها (السلام) الذي لا يختلف معناه عند شعوب الأرض رغم تنوع أعراقها وألوانها وثقافاتها.

وما تقديمنا الإنسان في الترتيب إلا لاعتقادنا أنه القوة الفكرية والروحية والفلسفية والمنطقية والعلمية القادرة على منح أسباب الحياة للوعي، والأرض وعدالة النظام والقانون، فترتبط حياة كل ضلع بالآخر، ولا يمكن ضمان ديمومة وقوة البناء (الوطن) حال انهيار أحدها، ويبقى نذر انهيارها قائما حال ضعف ركن واحد، وعلى هذا الأساس يمكننا فهم معنى (الوطن) مجردا من الحسابات والشعارات المجتزأة، أو المقتطعة من هذا السياق، بمعنى التركيز على الأرض وإغفال الوعي (النظام) والانسان، أو ادعاء التركيز على بناء الإنسان واغفال الوعي، ومسار توازنه (القانون) أو أخذ الأرض مجردة مما عليها من أشكال الحياة الطبيعية على رأسها انسانها، ومنحها صفة الوطن، ليسهل على الذي لا فكر ولا أفكار طرحها في خطابه كمادة، تبدو كسلعة تجارية، قابلة للربح والخسارة، أو التركيز الوعي وإغفال المعرفة والعلوم والثقافة، وصحة الحواس والمشاعر التي يستمد منها الانسان القدرة على تشكيل هندسة وعيه.

أما القانون (النظام) فهو الضابط العادل المانع لأي خلل قد يصيب ضلعا أو أكثر، بفضل حركة العقل وطاقته التي لا تنضب لدى أهل الفكر والعلوم والتخطيط والقضاء والسياسة بمعناها الأصلي الأصيل (علم وفن اصلاح الأمور).. او تحميل الأضلاع الثلاثة مركز ثقل البناء (الوطن) دون ادراك لمكانة الانسان باعتباره مركز الثقل الأعظم القادر على حفظ التوازن حال اصابة أي ضلع بضعف او خلل ما.

ونعتقد أن بعض مستخدمي السياسة، وصناع خليط الدين والسياسة الذين يتخذونها كمهنة تجارية لا يجهلون هذا الأمر وإنما يقصدون ابقاء انسان البناء (الوطن) هلاميا، طيعا، طائعا دون ادنى تفكير او تعقل، أو نقاش عقلاني مع الذات والآخر، ليضمنوا تشكيله، وتطويعه لمفاهيمهم الشخصية أو الفئوية، التي غالبا ما يدعونها بنظرية الحزب او الجماعة، ويتحدثون عنها بلسان اجنبي (الايديولوجيا) كنوع من التضخيم والنفخ في الذات الشخصية والفئوية !!

ومن هنا تبدأ المشاكل وتتراكم، الى حد قد يصعب اصلاحها، فيضعف البناء ويصبح عرضة للتشقق، وإنهيار أجزاء مهمة منه، إن لم يكن الانهيار تاما، وغالبا ما يكون داخليا، نتيجة عوامل وتفاعلات غير محسوبة، وأخرى عوامل خارجية (تدخلات) تجد في ثغرات جهزها أصحاب المفاهيم الرخوة، الذين لا يقدرون على العيش إلا في بيئة الرطوبة والتأكسد.

 وبما أننا نحيي في الثلاثين من آذار من كل عام "يوم الأرض الفلسطيني" في شهر تبدأ علامات الحياة على الأرض وما فوقها بالعودة من جديد، فإن الأجدر ألا نجعل من هذا اليوم مجرد ذكرى، وإنما منهج يومي، بل لحظي للحياة، فيوم الأرض لم يكن مجرد هبة أو مظاهرات قادها مثقفون كانوا في موقع خدمة الناس كالشاعر الفلسطيني العظيم توفيق زياد الذي كان رئيسا لبلدية الناصرة، بل كانت تعبيرا صادقا وفعلا مخلصا من إنسان أرض فلسطين، عاكسا لإدراك ووعي دائم التوهج، وعقيدة ايمان مطلق بمعنى الوطن، الذي بدونه لا مجد لإنسان على ارضه، التي تستحق أن يعطيها انسانها عمره قبل دمه وروحه، فالأرض قد تحيا بدون انسان، لكن الانسان لا يحيا بدونها، فهو يستمد منها أسباب حياته، وهو الانسان العاقل المؤمن بالحرية كمقدس، الذي يمنح الأرض منزلة القداسة لمعنى الوطن.