عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 24 آذار 2026

هنا فلسطين: الصمود أولًا

حبر على جمر- لمى عواد

ليس الصمود في فلسطين شعارًا يُرفع، بل حياة تُعاش يوميًا على حافة الخطر

ليس الصمود في فلسطين مفهومًا مجردًا أو شعارًا يُرفع في لحظات التصعيد، بل هو ممارسة يومية تتجسد في أبسط تفاصيل الحياة. في سياقٍ يُثقل كاهل الإنسان بالقيود والتهديدات المستمرة، يتحول البقاء ذاته إلى فعل مقاومة، وتغدو الحياة اليومية ساحة مواجهة مفتوحة، لا تقل أهمية عن أي شكل آخر من أشكال النضال.

في سفوح قراوة بني حسان، تتجسد هذه الحقيقة بوضوح. هناك، لا يقف الراعي الفلسطيني فقط حارسًا لقطيعه، بل حارسًا لذاكرة الأرض ومعناها. بين الأغنام والتلال، وبين الماضي الذي يسكن المكان والحاضر المثقل بالمخاطر، يواصل عمله رغم تهديدات المستوطنين المتكررة. قد تبدو هذه الصورة عادية في ظاهرها، لكنها في جوهرها تعبير مكثف عن معادلة معقدة: البقاء في المكان رغم محاولات الإقصاء هو بحد ذاته انتصار يومي. هنا، لا يكون العمل مجرد وسيلة للعيش، بل وسيلة للدفاع عن الحق، وإعادة تثبيت الوجود في وجه محاولات الطمس.

الصمود، بهذا المعنى، لا يقتصر على مواجهة الاعتداءات، بل يتجاوزها ليصبح منظومة متكاملة من الأفعال التي تحافظ على الهوية. كل بيت يُعاد بناؤه بعد هدمه، وكل أرض تُزرع رغم التهديد، وكل طفل يذهب إلى مدرسته عبر طرق محفوفة بالمخاطر، هو جزء من هذه المنظومة. إنها أفعال تبدو بسيطة، لكنها تحمل في طياتها رفضًا عميقًا للغياب، وتأكيدًا مستمرًا على أن الفلسطيني لا يزال حاضرًا، ليس فقط بجسده، بل بثقافته ووعيه وانتمائه.

هذا البعد الثقافي للصمود يجعله أكثر من مجرد رد فعل؛ إنه فعل إنتاج للهوية. فالأرض ليست مجرد مساحة جغرافية، بل وعاء للذاكرة، والتمسك بها هو تمسك بالتاريخ والسردية. ومن خلال الممارسات اليومية، يعيد الفلسطينيون كتابة قصتهم، ليس بالكلمات فقط، بل بالأفعال التي تُبقي هذه القصة حية ومتجددة.

وهكذا يتحول الصمود إلى لغة يومية، تُكتب بالأفعال لا بالشعارات، وتربط بين الماضي والحاضر، وتؤسس لذاكرة لا يمكن محوها.

ومع ذلك، فإن هذا الصمود يحمل في داخله كلفة كبيرة، غالبًا ما تبقى غير مرئية. إنها كلفة تتجلى في الاستنزاف الاقتصادي، حيث تتضرر مصادر الرزق وتُقيّد فرص العمل، وفي الضغط النفسي الناتج عن العيش تحت تهديد دائم، وفي المخاطر الجسدية التي قد تواجه أي فرد في أي لحظة. هذه "الكلفة الصامتة" لا تُقاس بسهولة، لكنها تتراكم يومًا بعد يوم، وتشكل عبئًا حقيقيًا على الأفراد والمجتمع.

ورغم هذه الكلفة، يواصل الفلسطينيون إعادة تنظيم حياتهم باستمرار. في ظل الأزمات المتراكمة، لم يعد التحدي مجرد التعامل مع حدث طارئ، بل التكيف مع واقع طويل الأمد من عدم الاستقرار. هنا، تتجلى مرونة المجتمع الفلسطيني، وقدرته على إيجاد توازن هش بين الاستمرار في الحياة والحفاظ على الكرامة. يصبح الصمود في هذه الحالة ليس فقط رد فعل، بل استراتيجية واعية لإدارة الحياة تحت الضغط.

كما أن الصمود لا يُمارس بشكل فردي فقط، بل هو فعل جماعي يعزز الترابط الاجتماعي. في مواجهة التحديات، تتشكل شبكات دعم غير رسمية، وتتجدد قيم التضامن، ويُعاد تعريف معنى المجتمع. هذه الروابط تشكل بدورها عنصرًا أساسيًا في استمرارية الصمود، إذ تمنح الأفراد القدرة على الاستمرار، وتحوّل المعاناة الفردية إلى تجربة مشتركة يمكن تحملها.

ولا يمكن إغفال البعد السياسي لهذا الصمود. فكل ممارسة يومية للبقاء على الأرض هي رسالة واضحة بأن الحقوق لا تسقط بالتقادم، وأن الوجود الفلسطيني ليس أمرًا قابلًا للتفاوض أو الإلغاء. بهذا المعنى، يتحول الصمود إلى أداة ضغط أخلاقية وسياسية، تُبقي القضية الفلسطينية حاضرة في الوعي العالمي، وتعيد التذكير المستمر بعدالتها.

الأهم من ذلك، أن الصمود يمتد أثره إلى الأجيال القادمة. الأطفال الذين يكبرون في هذا السياق لا يتعلمون فقط كيفية التكيف مع الواقع، بل يكتسبون وعيًا عميقًا بالهوية والانتماء. من خلال مشاهدة الكبار وهم يعيدون بناء ما هُدم، ويتمسكون بما تبقى، يتشكل لديهم فهم حي لمعنى الكرامة، ومعنى أن يكون للإنسان أرض يدافع عنها وحق يتمسك به.هكذا يتحول الصمود إلى مدرسة، تُدرّس الكرامة، وتُعيد إنتاج الهوية.

الصمود في فلسطين، إذًا، ليس مجرد قدرة على الاحتمال، بل عملية مستمرة لإعادة إنتاج الحياة في ظروف تُحاول نفيها. إنه فعل مركّب يجمع بين البقاء والمقاومة، بين الذاكرة والمستقبل، بين الفرد والجماعة. وهو، في جوهره، تأكيد يومي على أن الإنسان، مهما اشتدت عليه الظروف، قادر على أن يصنع معنى لوجوده، وأن يتمسك بحقه في حياة كريمة.

في عالمٍ قد يعتاد على الأخبار ويتعامل مع المأساة كرقم، يبقى الصمود الفلسطيني تذكيرًا حيًا بأن خلف كل رقم قصة، وخلف كل قصة إنسان يصرّ على الحياة. وهذه الإرادة، في حد ذاتها، هي ما يجعل الصمود ليس فقط ضرورة، بل قوة قادرة على الاستمرار، ورسالة مفتوحة للعالم بأن العدالة، مهما تأخرت، تظل ممكنة.