المعلن والمستور في خطاب نتنياهو: من المسيح إلى جنكيز خان
د. رمزي عودة

"الشر يمكن أن يغلب الخير"، بهذه الجملة استشهد رئيس وزراء إسرائيل نتنياهو بكلمات المؤرخ العالمي ويل ديورانت، قائلاً إن "المسيح ليست له أفضلية على جنكيز خان". وقد أثارت هذه التصريحات المسيئة موجة من الاستهجان والغضب حول العالم، إذ تبنّى فيها فلسفة البقاء للأقوى على حساب القيم الأخلاقية والعدالة.
وتابع نتنياهو في كلمته بأنّه في هذا العالم المعاصر "لا يكفي أن تكون أخلاقياً، ولا يكفي أن تكون عادلاً، ولا يكفي أن تكون على حق"، مشيراً إلى أن الديمقراطيات ستكون في خطر مفاجئ، وأحيانًا غير متوقع، إذا لم تتحرك وتدافع عن نفسها، على حد قوله.
في الواقع، لا يمكن فهم تصريحات نتنياهو إلا في سياق تصعيد وتغوّل جيش الاحتلال الإسرائيلي منذ السابع من أكتوبر وحتى الآن. فقد بدأ الأمر في غزة، ثم انتقل هذا التغوّل إلى الضفة الغربية ثم إلى لبنان وسوريا والعراق واليمن، وأخيرًا الحرب مع إيران. ومن هنا، فإن جميع هذه التحركات العسكرية الكبيرة تشير إلى أن إسرائيل، وعلى مدار أكثر من عامين، انتقلت من مرحلة الدبلوماسية إلى مرحلة استخدام القوة الشاملة في إدارة علاقاتها الدولية. وهذا ما دفع نتنياهو نفسه إلى تمجيد دور إسرائيل الحالي، واصفاً إياها بـ"القوة العظمى".
في السياق السابق، هناك عدة دلالات مستترة في حديث نتنياهو تتضمن النقاط التالية:
أولًا: إن حديث نتنياهو موجّه إلى العالم بشكل عام، وإلى العالم الغربي المسيحي بشكل خاص، ويوحي بأن على هذا العالم أن يتنحّى بعيداً عن القيم الأخلاقية في إدارة العلاقات الدولية، حتى لا يدفع ثمنا باهظا أمام قوى أخرى لم يحددها، ولكن يُفهم من السياق أنها القوى الموجودة في منطقه الشرق الأوسط والتي وصفها بالشريرة.
ثانيًا: لا مكان للقانون الدولي في العلاقات الدولية، وإنما يجب التركيز على القوة الحاسمة والشاملة من أجل ضمان الردع والحماية.
ثالثًا: لم يبتعد نتنياهو في رؤيته عن تحليل الرأسمالية الغربية كما هي في فكر فرانسيس فوكوياما، حيث يرى أن العالم الرأسمالي المتحضر سينتصر في النهاية، لكنه يحتاج قبل كل شيء إلى أن يكون قوياً ويستخدم قوته في الحفاظ على مصالحه.
رابعًا: إن العالم، بحسب وجهة نظر نتنياهو، منقسم إلى قوى خير (وهي بالأساس تتمثل بالعالم الغربي)، وقوى شر (تشمل دول الشرق الأوسط بالأساس )، وأن إدارة السياسة الخارجية تجاه هذه الدول يجب أن ترتكز على القوة أولاً.
في النتيجة، فإن تصريحات نتنياهو الأخيرة تعبر عن مرحلة جديدة في السياسة الخارجية لإسرائيل، وهي مرحلة استخدام القوة في العلاقات الدولية وتغييب القانون الدولي، وفرض السيطرة المادية والمعنوية على دول الجوار. وهذا لا يعني أن إسرائيل كانت تأبه قبل السابع من أكتوبر بشأن القانون الدولي الحالي ولكنها يبدو أنها بدأت تفكر بجدية في استبدال قواعد القانون الدولي الحالي بقواعد جديدة تراعي مبادئ القوة وليس العدالة.
ولذلك، فإن هذه المرحلة تُعد خطيرة جدًا على أمن المنطقة ككل، إذ تؤكد أن إسرائيل ليست خطراً على الفلسطينيين فقط، بل إن عدوانها وهيمنتها قد يمتدان إلى كافة دول الجوار. ويزداد هذا الخطر إذا ما اقترن هذا التوسع بانتشار وتوغل أفكار الصهيونية المسيحية التي تتحدث عن "إسرائيل الكبرى" من النيل إلى الفرات.
وبناءً عليه، يمكن القول إن "إسرائيل الجديدة" قد تكون دولة توسعية في المنطقة من خلال إنشاء قواعد عسكرية جديدة، وهذا ما ألمح إليه نتنياهو عندما وصف إسرائيل بأنها دولة عظمى وليست دولة إقليمية.
من جانب آخر، استخدم نتنياهو في معرض حديثه عبارة "الديمقراطيات التي تقاد من قبل الولايات المتحدة"، وكأنه يشير إلى أن الدور الجديد لإسرائيل سيتعزز باعتبارها حليفاً استراتيجيًا للولايات المتحدة، ليس فقط في منطقة الشرق الأوسط، وإنما على مستوى العالم. ويبدو أن هناك رغبة إسرائيلية في تعزيز هذا الدور، وربما ملء فراغات في العلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة، في ظل ما يشهده النظام الدولي من تحولات في موازين القوى والتحالفات.
مواضيع ذات صلة
حين يتغير الخطاب في الجزيرة: كيف تعيد القناة صياغة الحرب وفق الجغرافيا السياسية؟
الأم.. وطنٌ لا يُغادر، ونبضٌ لا يخفت
المعلن والمستور في خطاب نتنياهو: من المسيح إلى جنكيز خان
بيرسيفوني..!
"شكرا لكم لأنكم أتيتم إلينا"... تذكروها يا سفراء فلسطين
عندما تصبح البندقية عبئاً: هل آن أوان الواقعية السياسية؟
طمون تستحضر غزة