فلسطين في الساحة الدولية
حوار مع االرئيس محمود عباس

أجرى الحوار بادية فواز ياسين آب – 2024 -الجزء الثالث:
17. ما الذي يضيفه الحصول على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة على مكانة فلسطين الدولية؟
الحصول على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة يضيف الكثير على مكانة فلسطين السياسية والقانونية دوليا، فبهذا الاعتراف تصبح دولة فلسطين دولة كاملة الأركان في المجتمع الدولي ومؤسساته المختلفة، رغم أنها دولة تحت الاحتلال. والعضوية الكاملة تعزز وتسرع في تنفيذ المطلب الفلسطيني بإنهاء الاحتلال وتجسيد الاستقلال على أرض الواقع. وعندما يتم ذلك، تشارك دولة فلسطين ذات العضوية الكاملة في الأمم المتحدة وهيئاتها المختلفة والمحافل الدولية الأخرى على قدم وساق مع بقية دول العالم، فيصبح بمقدورها التصويت في الأمم المتحدة والترشح للمناصب المختلفة، والمشاركة في جميع اللجان المنبثقة عن المنظمة الأممية والهيئات الدولية. وسيكون بمقدورها من الناحية القانونية أن تترأس الجمعية العامة أو تنضم إلى عضوية مجلس الأمن، طبقا للقوانين والأنظمة المعمول بها في الأمم المتحدة.
18. لقد بات من الواضح أن تأثير دولة فلسطين بين دول العالم، وفي الأمم المتحدة والمحافل الدولية الأخرى، يتجاوز في قوته مكانتها كعضو مراقب في الأمم المتحدة، كيف تَحَقَّقَ ذلك؟
لقد تحقق ذلك من خلال الجهد الدؤوب والعمل المتواصل والتحرك السياسي الذي لم يتوقف يوما من الأيام، فنحن دوما نتحرك على جبهات عدة. أنا شخصيا أتواصل مع معظم زعماء العالم بشكل منتظم، وأقوم بزيارات إلى العديد من الدول، وأستقبل زعماء ورؤساء كثيرين، بما في ذلك رؤساء الدول العظمى، الذين يأتون إلى زيارتي هنا في فلسطين بشكل متكرر.
كما أنني لا أفوت فرصة لكي أخاطب المجتمع الدولي، وأعرض قضية شعبنا، وأطلب تحقيق العدالة له، ولذلك أذهب في كل عام لأشارك في الاجتماع السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة، وألقي خطابا سنويا فيها، وأعقد اللقاءات الجانبية مع زعماء الدول الأخرى، وأحيانا أشارك في جلسات خاصة لمجلس الأمن الدولي، تعقد للبحث في قضيتنا. كما أننا نشارك بفعالية عالية في جميع المنظمات الدولية واللجان المنبثقة عن الأمم المتحدة. وتذكرون أن دولة فلسطين، العضو المراقب في الأمم المتحدة، رأست أهم لجنة من لجان الأمم المتحدة وهي لجنة الـ (77 + الصين) والتي تضم أكثر من 134 دولة، وقدنا هذه اللجنة على أكمل وجه وبما يثير الإعجاب.
على صعيد آخر، نحن نمارس الدبلوماسية الشعبية على أكمل وجه، ونرعى أبناء جالياتنا الذين ينشطون من أجل فلسطين في الدول التي يتواجدون فيها ويحققون نجاحات ملحوظة، وخاصة في الولايات المتحدة الأميركية والدول الأوروبية.
لقد استطعنا بناء شبكة علاقات واسعة مع معظم دول العالم، وكثيرا ما تلجأ إلينا دول كبيرة وصغيرة لمساعدتها في حل قضايا أو إشكاليات تواجهها، فنقوم بواجبنا على أكمل وجه. إن قوة موقفنا في المجتمع الدولي تنبع من أننا أصحاب قضية مقدسة، تستمد قدسيتها من قدسية فلسطين، ومن عدالة هذه القضية ودعم العالم الواسع لها.
19. لماذا تستخدم أميركا حق النقض (الفيتو) ضد الاعتراف بفلسطين دولة كاملة العضوية في الأمم المتحدة؟ ما الذي يضيرها في ذلك؟
تستخدم أميركا حق النقض (الفيتو) ضد الاعتراف بفلسطين دولة كاملة العضوية في الأمم المتحدة لأنها لا تؤمن بهذا الاعتراف، ولأنها تتبنى موقف ربيبتها إسرائيل، التي ترفض حل الدولتين، وقيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من حزيران للعام 1967 بعاصمتها القدس الشرقية. وحتى اللحظة التي تقرر فيها إسرائيل الاعتراف بدولة فلسطينية وقبول عضويتها الكاملة في الأمم المتحدة، ستواصل أميركا معارضتها للاعتراف بدولة فلسطينية كاملة العضوية في المنظمة الدولية.
وقد أذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، وهو أن أميركا نفسها هي التي ترفض قيام الدولة الفلسطينية رغم ما تتشدق به من تأييدها لحل الدولتين، ولو أرادت أميركا الاعتراف بالدولة والقبول بعضويتها الكاملة في الأمم المتحدة، لكان بمقدورها أن تفرض هذا الموقف على إسرائيل، فبدون أميركا لا تستطيع إسرائيل الحفاظ على وجودها أو بقائها، وقد رأينا كيف تدعم الولايات المتحدة إسرائيل بشكل أعمى ومطلق. ويجب ألا ننسى أن أميركا هي التي كانت وراء إقامة دولة إسرائيل، لتكون بمثابة قاعدة عسكرية أميركية دون أن يكون فيها جندي أميركي واحد. وبمعنى آخر، أميركا أرادت أن تكون إسرائيل مخفرا أماميا للدفاع عن المصالح الأميركية والغربية في المنطقة العربية والشرق الأوسط.
20. هل يمكن تحقيق استقلال الدولة الفلسطينية وإنهاء الاحتلال من خلال المنظمات الدولية، كالأمم المتحدة والقوانين والاتفاقيات والمحاكم الدولية، ودعم المجتمع الدولي بشكل عام؟
إن التحرك باتجاه الأمم المتحدة والقوانين والمحاكم الدولية والدعم الدولي عموما لم يأت منفصلاً عن السياقات الأخرى للنضال الفلسطيني، بدءاً بانطلاقة الثورة والكفاح المسلح والانتفاضات والمقاومة الشعبية السلمية وأشكال النضال الأخرى التي مارسها شعبنا الفلسطيني على مدى عقود من الزمان. إن هذا التحرك يأتي تتويجاً لتراكمات حققها الكفاح الفلسطيني في مراحله المختلفة، وإن التركيز على النضال السياسي والدبلوماسي والقانوني عبر المحافل الدولية المختلفة لا يشكل بديلاً لأشكال النضال الأخرى المتاحة للشعب الفلسطيني وعلى رأسها المقاومة الشعبية السلمية.
لقد اعترفت معظم دول العالم بدولة فلسطين، وحيث إن مقومات تجسيد الدولة الفلسطينية على الأرض قد اكتملت، وبشهادة المجتمع الدولي، وبقي العائق الوحيد أمام استقلالها هو استمرار الاحتلال، فإن الحراك على المستوى الدولي يشكل الآن الحلقة الأخيرة لإنجاز الاستقلال الفلسطيني. وأريد أن أؤكد هنا أن الولايات المتحدة الأميركية هي التي تعطل وصول النضال الفلسطيني إلى مآلاته الأخيرة، إنهاء الاحتلال وتحقيق وتجسيد الدولة المستقلة على أرض الواقع، ومن هذا المنطق يجري التركيز الآن بشكل خاص في نضالنا السياسي والدبلوماسي والشعبي على الساحة الأميركية بهدف إحداث التحولات في المواقف الأميركية المعرقلة للاستقلال الفلسطيني.
وجدير بالذكر أن جهودنا الحثيثة التي لم تتوقف على مدار السنوات الماضية أخذت تؤتي ثمارها، وأحدثت تحولات وتطورات جوهرية ومكاسب لصالح استقلال الدولة الفلسطينية. فقد أصدرت المحكمة الجنائية الدولية قرارا في العام 2021 يقضي بوجود ولاية قضائية لها على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 وهو ما ترفضه إسرائيل والولايات المتحدة. كما طلب مدعي عام المحكمة، وبسبب حرب إسرائيل على غزة عام 2024، وما ترتكبه من جرائم وإبادة جماعية للشعب الفلسطيني، من هيئة المحكمة إصدار مذكرات اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزير الحرب يؤاف غالانت بتهمة ارتكاب جرائم حرب.
كما تجلت النتائج الإيجابية للحراك الفلسطيني على الصعيد الدولي في الرأي الاستشاري الذي أصدرته محكمة العدل الدولية في العام 2004 حول عدم قانونية جدار الفصل العنصري، وأيضا في القرارات التي اتخذتها المحكمة ضد إسرائيل بسبب عدوانها على غزة عام 2023، وأخيرا في الرأي الاستشاري الذي صدر في 19 تموز/ يونيو 2024 عن المحكمة، والذي يعتبر الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية غير قانوني ويجب إنهاؤه بالسرعة الممكنة ووضع أنماط وآليات تحقيق ذلك، وأن على إسرائيل أن توقف الاستيطان وتفكك المستوطنات القائمة وتُخرج المستوطنين من الأراضي الفلسطينية، وتُعوّض الفلسطينيين عن الخسائر المادية والمعنوية للأفراد، من بين أمور أخرى تضمنها الرأي الاستشاري للمحكمة، بالإضافة إلى مطالبة الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي ودول العالم منفردة بالعمل على إقرار وتنفيذ ما جاء في هذا الرأي الاستشاري للمحكمة.
21. هل تعتقد، سيدي الرئيس، أن حل القضية الفلسطينية ممكن بدون الولايات المتحدة الأميركية؟
لا أعتقد أن حل القضية الفلسطينية ممكن دون الولايات المتحدة الأميركية، فهي عامل حاسم في حل النزاع القائم، لكنني أعتقد أن أميركا، في وقت ما، قد تغير مواقفها تجاه إقامة الدولة الفلسطينية بسبب الضغوط الشعبية الداخلية والدولية، وخاصة أن هناك شرائح عريضة ومؤثرة في أميركا، وكذلك معظم المجتمع الدولي، بدوله ومنظماته وقوانينه، أصبحت داعمة لإنهاء الاحتلال.
وبالتالي فإن تعويض دور الولايات المتحدة كمعرقل لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي أصبح ممكناً، من خلال تفعيل دور دول العالم المؤثرة الأخرى، كالدول الأوروبية وروسيا والصين وغيرها، وتعبئة المجتمع الدولي بأسره لدعم حل عادل للصراع. وكذلك عبر تفعيل دور المنظمات والهيئات والمحاكم الدولية في هذا المجال، والتي يمكن أن تشدد الخناق على إسرائيل والضغط على الولايات المتحدة وإحراجها لكي تلتزم بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية التي تحظى بدعم المجتمع الدولي، ولا يعارضها إلى جانب الولايات المتحدة سوى إسرائيل.
لا يمكن الاستغناء عن دور الولايات المتحدة في حل الصراع، ولكن هذا الدور يجب أن ينتزع انتزاعاً. وفي هذا السياق يجري التعويل بشكل أساس على العامل الأميركي الداخلي، الذي أخذ وبشكل متزايد يؤثر على موقف الولايات المتحدة تجاه حل الصراع، وهو التحولات الجارية داخل الولايات المتحدة، من قوى عديدة تدعو إلى حل الصراع وتناصر الحق الفلسطيني، وخاصة بعدما أصبح المجتمع الأميركي أكثر وعيا وإدراكا للطبيعة الإجرامية لهذا الاحتلال، وبعد أن رأى بأم عينيه حرب الإبادة الجماعية وقتل الأطفال والأبرياء بشكل جماعي وبدم بارد، وحصار وتجويع الشعب الفلسطيني في غزة. هذه التحولات بدأت تشق طريقها بشكل تدريجي إلى دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة، وقد يستغرق الأمر بعض الوقت، ولكنها بالتأكيد سوف تختصر المدة الزمنية التي ستفرض على الولايات المتحدة التسليم بالحقوق الفلسطينية. ولا بد هنا من الإشادة بأبنائنا في الجالية الفلسطينية في أميركا، الذين بادروا إلى هذه الحراكات الواسعة والعمل المشترك مع جميع الأطراف المناصرة للشعب الفلسطيني.
22. قرأت في إحدى كتاباتك بأنك قلت للأميركان "لا" أكثر من ثلاثين مرة. لماذا قلت "لا"، وما هي أهم المواقف التي قلت فيها "لا"؟
نعم صحيح، لقد قلت "لا" للأميركان أكثر من ثلاثين مرة، وعندما يتعلق الأمر بالحقوق والثوابت الوطنية والكرامة الفلسطينية نقول "لا" للأميركان وغير الأميركان.
ضغط علينا الأميركان في العام 2011 لكي لا نذهب إلى مجلس الأمن الدولي لطلب العضوية في الأمم المتحدة، وأفشلوا مسعانا في هذا السياق بعد أن رفضنا الانصياع لمطلبهم وإرادتهم، بل تحديناهم وعدنا في العام التالي إلى الجمعية العامة لذات الغرض. ورغم التهديدات الأميركية والمحاولات المتعددة لعرقلة جهودنا، صوتت الجمعية العامة بأغلبية 138 صوتاً لصالح منحنا عضوية الدولة المراقب، وهذا أقصى ما تستطيع الجمعية العامة عمله فيما يتعلق بمنح العضوية. وفي العام 2024 ذهبنا لمجلس الأمن الدولي بمشروع قرار لطلب العضوية الكاملة، فمارس الأميركان ضغوطا شديدة علينا لكي لا نذهب ونسبب لهم الحرج لأنهم سيستخدمون (الفيتو) ضدنا، فرفضنا طلبهم وجرى التصويت على مشروع القرار فأفشله الأميركان باستخدام حق النقد (الفيتو)
وفي مسألة هامة أخرى، قلنا للأميركان "لا" عندما رفضنا "صفقة القرن" التي أطلقها الرئيس السابق دونالد ترامب لقناعتنا بأنها تلحق الضرر بالقضية الفلسطينية. ورغم التهديد والوعيد رفضنا التراجع عن مواقفنا وقاطعنا إدارة ترامب لمدة أربع سنوات. ولم نكتف بهذا الرفض، بل جندنا معظم دول العالم لرفض هذه الصفقة، على الرغم من أن عددا من الدول تعاطى معها في البداية، وهذا ما وضعنا في مواجهة مع الإدارة الأميركية.
وفي مناسبة أخرى، قلنا للأميركان "لا" ورفضنا ضغوطهم وتهديداتهم، عندما قررنا الانضمام إلى عضوية عدد من المنظمات الدولية الهامة. ورغم أنف الأميركان، نلنا العضوية الكاملة في منظمة اليونسكو، فانسحب الأميركان منها وأوقفوا تمويلهم لها، ولكنهم ما لبثوا أن تراجعوا وعادوا إلى عضويتهم فيها وتمويلهم لها.
أما المواجهة الكبرى والـ "لا" الكبرى التي قلناها للأميركان فكانت يوم ضغطوا علينا لعدم الذهاب إلى المحاكم الدولية، المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، وكذلك مجلس حقوق الإنسان، ومارسوا تهديدات غير مسبوقة، وكان موقفنا الثابت أن قلنا "لا" ومضينا قدما في التحرك باتجاه هذه المحاكم. وترون اليوم ما هي نتيجة قرارنا الشجاع برفض الضغوط والذهاب لمحاصرة ومحاسبة إسرائيل على احتلالها وعدوانها، فكانت قرارات المحكمة الجنائية الدولية باتهام إسرائيل بارتكاب جرائم حرب، والرأي الاستشاري الأخير لمحكمة العدل الدولية باعتبار احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية التي استولت عليها عام 1967 احتلالا غير شرعي يتوجب إنهاؤه وإفرازاته في أسرع وقت ممكن.
ولا يتسع المجال هنا لاستعراض المزيد من المواقف التي قلنا فيها "لا" للأميركان، ولم يكن ذلك من قبيل المناكفة، ولكن حماية لحقوقنا ومصالحنا الوطنية، وتمسكنا بإقامة دولتنا المستقلة بعاصمتها القدس الشرقية.
23. الحراك والتضامن الشعبي الأميركي نجح في إجبار الولايات المتحدة على الانسحاب من حرب فيتنام وإلى وقف الدعم الأميركي لنظام الفصل العنصري الأبيض في جنوب أفريقيا، فهل بتقديرك ينجح في الحالة الفلسطينية في التأثير على الإدارة الأميركية من أجل تغيير مواقفها وسياساتها المنحازة بشكل مطلق لإسرائيل؟
معظم الشعب الأميركي لا يهتم بالسياسة الخارجية لبلاده، وبذلك فهو يترك مجال التأثير لأقلية من النخب التي لديها أجندات سياسية داخلية وخارجية. وتستغل منظمات ومجموعات يهودية هذا الوضع في محاولة التأثير على الأميركيين لكي يؤيدوا إسرائيل ويقفوا إلى جانبها، كما تمارس هذه المنظمات والجماعات الضغط على الساسة الأميركيين بحكم دعمها لهم بالأموال في الانتخابات، أو التشهير بهم إذا ما انتقدوا إسرائيل أو سياساتها.
لكن الأميركيين عموما لديهم إحساس عالٍ بالعدالة، وإذا ما اتضحت لهم حقيقة القضية الفلسطينية والاحتلال، فغالبا هم على استعداد لدعم الحق الفلسطيني في العدالة والحرية، وربما حتى تغيير مواقف من هو مؤيد منهم لإسرائيل. وهذا ما بدأ يحصل بالفعل عندما أخذت الرواية الفلسطينية تشق طريقها إلى الشعب الأميركي، فازداد وعي الأميركيين بحقيقة القضية الفلسطينية وسياسات الاحتلال الإسرائيلي العدوانية والعنصرية تجاه الشعب الفلسطيني، وتزايد وتسارع هذا التضامن الشعبي الأميركي مع اكتشاف الأميركيين زيف ادعاءات الصهيونية والإسرائيلية وأكاذيبها، وخاصة بعد الحرب الأخيرة التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة وارتكاب جرائم الحرب والإبادة الجماعية على مرأى من العالم.
ورغم صعوبة وتعقيدات الحالة الفلسطينية، بسبب العلاقة العضوية التي تربط إسرائيل بأميركا كقاعدة متقدمة لضمان الهيمنة الأميركية على المنطقة وحماية المصالح الأميركية والغربية الاستعمارية، فإن النجاح في إحداث الاختراقات وكسر المعادلة القائمة يمكن أن يؤدي إلى تنازل أميركي عن الدعم المطلق لإسرائيل. فإذا ما أصبحت تكلفة العلاقة والدعم الأميركي لإسرائيل أكبر من الفائدة التي تعود على أميركا من هذه العلاقة، أي إذا ما أصبحت هذه العلاقة تشكل عبئا على أميركا، أو من ناحية أخرى تغيرت الأوضاع الداخلية في الولايات المتحدة لغير صالح إسرائيل، فإن احتمالات تنازل أميركا عن الدعم المطلق لإسرائيل تصبح واردة، وواردة جداً.
لولا إيماننا بإمكانية أن يفرض الشعب الأميركي التغيير على الإدارة الأميركية والكونغرس الأميركي لصالح الحق الفلسطيني، لما انخرطنا في جهد مكثف وخطة مدروسة لإحداث هذا التغيير الذي قد يستغرق سنوات. وبالفعل، نستلهم في هذا السياق حالتي فيتنام وجنوب أفريقيا كنماذج لتأثير الرأي العام الأميركي على سياسات حكوماته، عندما نجح أنصار السلام في أميركا بحشد تضامن الشعب الأميركي الذي فرض إرادته على الإدارة الأميركية للانسحاب من حرب فيتنام، ونجح مرة أخرى بفرض إرادته على الحكومة الأميركية لرفع الغطاء عن النظام العنصري الأبيض في جنوب أفريقيا.
وفي هذا السياق أيضا، يستطيع الرأي العام الأميركي أن يؤثر على صناع القرار في أميركا من أجل الضغط على إسرائيل، وفي لحظه ما رَفع الغطاء عن احتلالها للشعب الفلسطيني، على الرغم من أنه ليس من السهل أن تتنازل الحكومة الأميركية عن دعمها المطلق لإسرائيل في الوقت الحاضر، لكون إسرائيل تشكل قاعدة متقدمة لحماية المصالح الأميركية والغربية الاستعمارية بشكل عام كما أسلفنا. وتستطيع أميركا، إن أرادت، أن تفرض على إسرائيل تقديم التنازلات، ولكن لا بد للرأي العام الأميركي أن يفرض على الحكومة الأميركية ذلك.
ولقد بدأت تَحدُثُ تحولات هامة في هذا المجال في السنوات الأخيرة، بحيث أصبح هناك تحالف من شرائح عديدة في المجتمع الأميركي تمارس الضغط على الإدارة الأميركية لكي توقف إسرائيل عند حدها، وقد حقق هذا التحالف نجاحات ملموسة. ولكن الطريق لا يزال طويلا حتى تترجم التحولات الجارية لصالح القضية الفلسطينية إلى قرارات في دوائر صنع القرار الأميركي.
يتبع..
مواضيع ذات صلة
اللجنة الوطنية العليا لإحياء ذكرى النكبة الـ78تعقد اجتماعها التحضيري الأول
الأغوار تودع حارسها...
الاحتلال يخطر بهدم 5 منازل وحظيرة أغنام في قرية بيرين جنوب شرق الخليل
الهلال الأحمر الفلسطيني يواصل جهوده الإنسانية في الإجلاء الطبي من قطاع غزة
"النقل" و"جودة البيئة" تبحثان تعزيز التحول نحو النقل النظيف
اقتحام متواصل منذ 15 ساعة لمخيم قلنديا وبلدتي الرام وكفر عقب
مستعمرون يهاجمون منازل المواطنين في جالود جنوب نابلس