"جود من الموجود" حاضنة ثقافية تراثية وقَبسات إبداعية بريشة عصرية

عبير البرغوثي
رغم التحديات، يسجل الفلسطينيون على المستوى الجمعي والفردي قصص نجاح يشار لها بالبنان، متسلحين بإرادة الإبداع في صناعة المستحيل، التي تبقى كيمياء الفلسطيني أينما حل وارتحل، فمن عشق الوطن يولد الانتماء، ومن تجسيد ديمومة الارتباط بهذه الارض يولد الإبداع وتستمر ارادة الحياة، فاذا كان على هذه الارض ما يستحق الحياة، ففي القلب منها هناك من يصنعون طعم الحياة لتكون شمساً في عنان السماء، هذه هي رسالة أميرة ربعي وكل نساء فلسطين، لأنهن ملح هذه الارض ولأن ابداعهن صورة تضفي نكهةً خاصة وشهادة بأن تراثنا وحقنا لا يموت بل يتجسد في كل ألوان العطاء ليبقى خالداً ورمزاً على أننا نستحق الحياة، لأن "جود من الموجود" ولأن ثقافتنا وتراثنا لا يموتان.
في تقريرنا هذا نلتقي فلسطينية، ارتبط حلمها بالوطن، وانتقل الحب الى فكرة تبلورت الى مشروع، ولد فعليّاً عام 2015 من خلال تصميم هدايا خاصة بالمؤسسات التي تطلبها في فعالياتها وتعبر عن الثقافة الفلسطينية، كما تروي لـ "الحياة الجديدة" المثابرة أميرة ربعي.

لا حدود للإبداع اذا ارتبط بحب الوطن
تقول أميرة ربعي صاحبة مشروع "جود من الموجود": "فلسطين وحبها ملهم للإبداع والنجاح، وهذه رسالتنا حتى تبقى قضيتنا حية من جيل الى جيل"، وتضيف "قمنا بعمل دمج بين القطع اليدوية التي تعبر عن ثقافتنا الفلسطينية مثل خشب الزيتون والسيراميك.. الخ، وبين المأكولات الفلسطينية التقليدية مثل زيت الزيتون والزعتر والزيتون وغيرها، وكنا ننفذها على شكل هدايا لطيفة تعبر عن ثقافة بلد للمؤسسات التي تطلبها، ومن هنا جاءت فكرة اسم المشروع "جود من الموجود" وهو اسم مترسخ في الذاكرة الفلسطينية".
التعاون.. مفتاح النجاح
نجاحنا واستمرارنا ارتبط بفكرة التعاون والتكامل والبناء على ما هو موجود من مشاريع ومبادرات وخاصة نسوية، فتكامل الجهود يعني تعظيم النتائج واستفادة الجميع، تقول أميرة: "أنا لا أقوم بالإنتاج بشكل أساسي بقدر ما أقوم بربط من يقومون بإنتاج هذه الاشياء من مواد ومأكولات، مثل اللواتي يقمن بالتطريز وايضا سيدات لديهن مشاغل تصنيع مثل مشغل خشب أو سيراميك وغيرها، وبالتالي فإننا نقوم بتشغيل هؤلاء النسوة وتحقيق الفائدة المادية لهن وفي الوقت نفسه الحصول على المنتجات التي نريدها".
المنازل الفلسطينية مختبر الابتكار والابداع
كلنا يعلم صعوبة ظروف الاسر وصعوبة الوصول للموارد او حتى بناء أماكن وحاضنات للمشاريع بسبب الاحتلال واجراءاته، لكن رغبتنا في البقاء والصمود، تدفعنا لخلق الفرص والانتصار على التحديات، ولذلك باتت منازلنا هي بوابة التفكير وخلق المشاريع، تقول أميرة: "بدأت المرحلة الاولى للمشروع من المنزل، وعندما توسع العمل استأجرت مكتبًا في عمارة لعرض المنتجات وحتى يكون مقرا للمشروع، هذا المشروع جاء من طموح لدي يساعدني على الاستقرار في فلسطين خاصة بعد عودتي بعد فترة من الغربة قضيتها في المملكة العربية السعودية".
وتضيف صاحبة مشروع "جود من الموجود": "لم يكن هدفي مجرد بيع منتجات، وانما اردت ربط اية مادة منتجة بقصة فلسطينية من تراثنا، من هنا سعيت حتى أكون متميزة عن الآخرين في هذا المجال وحتى أخرج عن الإطار التقليدي هنا، عملت على تصميم مواد بسيطة أحدثت فرقا وتميزا في الشكل والتقديم والقيمة التراثية".

الارادة في مواجهة التحديات المالية وغيرها
النجاح يبدأ بخطوة صغيرة على طريق شاق، لكن يغذيه حلم كبير، تقول أميرة: "بدأت المشروع برأسمال 1500 دينار، وأول عمل بدأت به كان بتكلفة 50 الف شيقل، ولم يكن معي وقتها سعر المواد اللازمة، ومن هنا بدأت بتدبير الامور المالية لإتمام المشروع.
ومع كل يوم ومع كل خطوة نجاح، كانت الطريق تبدو أفضل مما كان سابقاً، لأن الارادة والتصميم كفيلان بخلق متطلبات النجاح على الصعوبات، وهذا كان سبباً لقيامي بتوسيع المشروع من خلال استئجار بيت تراثي قديم مقره في البيرة، وقمت بصيانته ووضع أثاث بسيط فيه، ومن خلال العمل والحصول على طلبيات، بدأت بتطوير المكان أكثر . وما زلنا حتى اللحظة في ورشة تطوير للمكان كلما تطلب الأمر".
"جود من الموجود" نموذج للبيت والمعرض الجامع
قوة المشروع ونجاحه تكمن في فكرة التعاون، فنحن أشبه ما نكون بمنصة تشاركية لمنتجات متنوعة، هنا تحدثنا أميرة "المواد الموجودة في المعرض هي عبارة عن منتجات لسيدات نقوم ببيعها والترويج لها من خلال المعرض، وايضا مواد لحرفيين وفنانين ينتجون مواد ويرغبون بعرضها للبيع مثل الاكسسوارات والتطريز والسيراميك ولوحات فنية .. إلخ، وبالتالي هناك مواد من تصميمنا ومواد يرغب الآخرين بعرضها في معرضنا والترويج لها، من جانب آخر نقوم بتقديم الطعام الفلسطيني من منتجات فلسطينية مثل المسخن والفطائر الفلسطينية وغيرها من المأكولات الفلسطينية ذات الطابع المنزلي والقريبة من عمل أمهاتنا الفلسطينيات".
وتضيف: "هذا النموذج من المنصات التشاركية يتطلب تعاوناً وجهداً متواصلاً لضمان الاستدامة والاستمرارية واستفادة الجميع، ولذلك نقوم بتنظيم معارض موسمية خاصة بالمنتجات الفلسطينية التي تنتجها نساء ونعرضها لدينا، فمثلا قمنا بتنظيم بزار لتذوق المنتجات الفلسطينية بالتعاون مع أصدقاء وأقارب، وأيضا نظمنا بازارا خاصا بالموهوبين الصغار تم من خلاله عرض رسومات وأعمال يدوية لهم، وهذه أعمال وأنشطة تميزنا بها، لأنه تم عرضها بطريقة لطيفة وقريبة من الناس".
وتوضح أميرة: "هناك ضرورة مهمة تتمثل بالحاجة للوصول الى الجمهور، ولذلك لدينا أيضا تعاون مع دار نشر حيث تقوم بتنظيم أنشطة خاصة بها وعرض مطبوعات وكتب خاصة به، حيث نقوم بتنظيم بازار خاص بهم لعرض مطبوعاتهم والتواصل مع الآخرين في المجال نفسه".

معرضنا بوابة وساحة لالتقاء ابداعات الشباب
في العديد من البلدان هناك حواضن للأفكار واختبار المبادرات تحتضن مبادرات المشاريع الصغيرة لتشجيع الشباب على الانخراط في سوق الانتاج، ومعرضنا هو بمثابة مساهمة بسيطة في هذا الاتجاه، تقول أميرة، "المعرض بوضعه الحالي يشكل نقطة لقاء للشباب وطلاب الجامعات لمناقشة مشاريع لديهم وأيضا نقطة لقاء لمجموعات قراء، وايضا مكان لتنظيم بعض السفارات والمؤسسات الأجنبية لأنشطتها هنا، لأنهم ينظرون للمعرض على أنه فكرة بيت فلسطيني يعطيهم الثقة في المنتجات والمواد التقليدية الفلسطينية، وبالتالي يعتبر المعرض نقطة تجمع وملتقى ثقافي لعدة ثقافات في مجالات معينة".
التسويق تحد يتطلب التعاون للاستدامة
تشهد الاسواق في الاوضاع الطبيعية تنافساً كبيراً وهذه مسألة طبيعية بلغة السوق الحر والمفتوح، لكن نحن لا نقدم مجرد سلعة استهلاكية، او مجرد خدمة تجارية، نحن فكرة وطنية تسعى للحفاظ على دور ومكانة لثقافتنا وتراثنا الفلسطيني في ظل تهديدات متواصلة من جهات متعددة لوضعه في غياهب النسيان، وهنا تؤكد أميرة "من أبرز التحديات التي واجهت المشروع هي موضوع التسويق والمنافسة في السوق ، الى جانب إيجاد المكان المناسب، وكذلك التحديات التي واكبت أزمة كورونا التي دفعتنا لإغلاق المعرض لمدة سنة ونصف السنة، البقاء على قيد الحياة الاقتصادية يتطلب صبرا وجهداً وعوناً من الجهات المعنية لمساندة هكذا مشاريع".
وتضيف: "التحديات السابقة كانت فرصاً للتفكير والاستمرار وليس للانسحاب، فالأمل مستمر والحلم متواصل ولذلك لدينا خطط للمستقبل، وفي مقدمتها تحويل مقر المعرض الى مقر صديق للبيئة، بمعنى أن يكون هناك زراعة جدارية على أسوار المقر، لمنتجات وأعشاب موسمية، تحت عنوان "من الحقل إلى المائدة"، وأيضا نريد استخدام أدوات للتقديم والتغليف تكون صديقة للبيئة داخل المعرض، الى جانب ان لدينا خططًا لتنظيم مخيمات صيفية للأطفال في مجالات الفنون والرسم والموسيقى، مع عمل جلسات للسيدات للتفريغ النفسي عن طريق الرسم بإشراف متخصصين".

غداً ستمتد مائدة "جود من الموجود" الى خارج الوطن
في نهاية حديثها تقول أميرة ربعي: "نستمد قوتنا واصرارنا على الحياة من حقنا وأصالة تراثنا وثراء تجربتنا وطاقة شبابنا التي لا تنقطع عن الابداع، فنحن صورة من تراث عمره آلاف السنوات، ونحن منصة تنضم الى آلاف المبادرات الفلسطينية التي تستحق الدعم والمساندة لأننا جزء أصيل من هوية وقضية عادلة سيكتب لها النجاح والانتصار في قادم الايام، والآن نجود من الموجود داخل فلسطين، وموعدنا أن تمتد مائدة جود من الموجود الى كافة أماكن التواجد الفلسطيني خارج حدود الوطن".
مواضيع ذات صلة
عرابة: الاحتلال يواصل تجريف أراضِ لليوم الثالث
أم رمزي.. حكاية أم تطعم 50 فردًا بالصبر والعمل
كيسان.. قرية تواجه الاقتلاع والاستيطان
اقتصاد محاصر.. هل تنجح "يلا ع نابلس" في إنعاش سوق فقد 70% من نبضه؟
مجسم "الفاضلية" في طولكرم.. شعلة تروي حكاية العلم والصمود
تصعيد خطير في المسجد الأقصى: عشرات الآلاف يؤدون الجمعة ومحاولات متكررة لإدخال "القرابين الحيوانية"
لم يبق من الصحفي السمودي إلا صوته!