كَلْبٌ أسودُ يَحرُسُ أحلامَنا
بقلم: مؤيّد قاسم الدّيك

عندما كنتُ طفلًا، أبيعُ التّرمس مساءً والفلافلَ صباحًا، كانت لي أحلامٌ بسيطة، أعظمها صندل من "البلاستك"، ورغيف ساندويش في المدرسة، وشنطة من القُماش!
وعندما كبرتُ كبر طموحي، وتفتّحت مداركي، لأتخيّل أن أُصبحَ مذيعًا معروفًا، أو مقدّمَ برامج في فضائيّة مشهورة، أو لاعبَ كرة قدم، يسطعُ نجمه، ويذيع صيته.
كنتُ أحلم بأنّه سيكون لي قصّة جميلة، أرويها لأطفالي، وأنا أُجلسهم على فخذي، وأُمّهم تجلس على مَقرُبة منّا، تبتسم وهي منشغلة بمقالها الأدبيّ، تعديلًا وتنقيحًا في نسخته الأخيرة قبل نشره في جريدة لها حضورها، ورُبّما يكون عن دلالة اللّون في شعر نزار قبّاني، أو المرأة في أدب غسّان كنفاني، أو عن جَيْكور ومدى حضورها في شعر السّيّاب، أو حتّى عن دارة جُلجُل، وصبيانيّة امرِئ القيس، في مغازلة بنات الغدير.
تلك كانت الأماني، وها أنا اليوم كبرت بسرعةِ شائعةٍ، في قرية نساؤها لا تجلس في بيوتها، ورجالها لا يعرفون أعمارَ أولادهم. مات أبي وأختي، وأجدادي الأربعة، وتزوّجتُ من امرأة جميلة، ماهرة في الطّبخ، وتحمل شهادة في التّغذية، وتكتب مقالات في الطعام لا الشّعر، وأنجبتُ طفلين، وأملكُ جيشًا من الأصدقاء، لكنّني لم أصل إلى درجة ممثّل ثانوي في مسرحيّة الحياة!
لقد فقد الطّفلُ، بائع التّرمس، أحلامَه البسيطة، وأصبح يَرْقُبُ انزلاق العمر، وموت الأمنيات في أزقّة الحياة وحوادثها المتلاحقة.
أمّا الطّموح فقد دكّت سقفه وحطّمت أعمدته أخيلةُ المستقبل الغامض، فتلاشت أحلامه الصّغيرة، المحروسة بالحنان والأمان، وقد استبدلتها السّنون بكوابيسَ مجنونة لا تفسير لها، فتارة تطارده رِجل مسلوخة بين أشجار الزّيتون، وأخرى يرى يدًا تمتدّ نحوه خارجة من السّراب، ومرّة يُحاط بأشباح عُمْيٍ تتّكئ على ليله، وتحاصر نومته، بينما كلب أسود يحرس أحلامه! وكثيرًا يحلمُ بملاحقةٍ له من رَجُلٍ قصير، حفرَ الزّمنُ أخاديده في وجهه، أصلع، ضخم الجثّة، ليس له رقبة، كَزيرٍ مقطوع الرأس، يخنق نفسه بربطة عُنق، مُعلّقة على كرشه المدلوق أمامه، يداه صغيرتان، وأظفاره بيت سُلحفاة، يلاحقه ويقول له: أَعِد لي حبيبتي، لقد سرقتها!
إنّها كوابيس الحاضر، والمجنونة حقًّا، ولا تفسيرَ لها حتّى عند سمرة نابلس.
أستيقظُ كلّ صباح، على صوت ذاك الطفل، البائع الصّغير، وتلك الفتاة، التي تكبره بسنة، تسابقه على بيع الفلافل قبل الذّهاب إلى المدرسة، لأرى كم كانت جميلة حياتنا الصّغيرة! صحيح أنني فقدتها، وأصبحتُ أبيع الفلافل وحيدًا، وأبكي صباحًا ومساءً، ولكن لم أكن لأتوقّع أن أصحو بعد زمن حاني الظّهر، أنوء بأفكار وأثقال الحياة ومتطلباتها، كأنها عنكبوت عجوز، التصق في سقف بيت جدّي، منذ اليوم الأول من زواجه!
في صغري، كنتُ مقتنعًا بأنّ الحبّ يستطيع التّغلب على الاحتباس الحراري، وانجراف التربة، وبالحب نصل إلى مجتمع النّبي، الخاص بجبران، وآمنت بأنّ الحبّ يغنينا عن مساحيق التّجميل وحتّى عن المال؛ فرأس مالنا كرامتنا وعزّتنا.. بالحب كُنّا نغلق التلفاز والرّاديو أربعين يومًا في البيت، لأنّ شخصًا ما في القرية قد مات. يا الله كم كُنّا أهلًا للحبّ!
في صغري كُنتُ أؤمن بأنّ الرّقص ينقذ من السّرطان. وكانت روايات نجيب محفوظ، وإحسان عبد القدّوس، وتوفيق الحكيم، ويوسف السّباعي، مادة دسمة لتكون أفلامًا عند السّيناريست أنور عكاشة وغيره، فنرى الفنانين: هدى سلطان، وميرفت أمين، ورشدي أباظة، وسعاد حسني، والمليجي، وليلى طاهر، وعبد الله غيث، والموجي، وبدير، وغيرهم الكثير، يجسّدون تلك الرّوايات، ويشرّحون واقع المجتمع المصري آنذاك، في مسلسلات وأفلام كانت تحفر في قاع المدينة، هي أقصى ما تسمح به الرّقابة الذّاتيّة والمجتمعيّة.
في صغري أحببتُ فتاة، كُنت أكره أباها، ولا أجرؤ الحديث معها. ذات يوم حفرتُ اسمها على مقعد الدّراسة، فكان الجلد عقابي أمام التّلاميذ. كنتُ أبكي إذا خسرت علامة؛ لأنّ وجع الضّمير كان كبيرًا؛ حيث كنتُ أفكّر في أبي، وهو المسؤول عن بيت فيه عشرة من الأفواه الجائعة. ذات يوم جاءني وقد علم أنّني قصّرتُ في امتحان، كان ردّه أنْ طلبَ منّي أن أتحسّس يديه الخشنتين، عندها قال: لا أريد ليديْكَ أن تكونا كيديّ يا بُنيّ، وانسحب.
كل ما أريد قوله: إننا اليوم نعيش في عالم مجنون، الحياة فيه تدير ظهرها لك، تمامًا كاستدارة قرص الهوكي في ميدان الرّماية، والأيام تضع قدمها في صحن طعامك، والسّعادة! السّعادة تأتي كفتاة مائسة، تطلّ عليك من أعلى شُرفة، بفُستان من الدّانتيل الأزرق، وبشعرِها المسافر خلف ظهرها، وعينيها اللّتين تختزنان اللّهفة في رابعة العشق، وأنت تتأمّل وصلَها، تطلّ عليك وتطلب الزّواج منك شرط إدراكها، فتلهث خلفها، ككلب سلوقيّ يطارد فريسته، لتهرسها عجلات الزّمن في منتصف الطّريق!
مواضيع ذات صلة
القراءة بوصفها إعادة اكتشاف للذات
لطفية الدليمي وداعا.. رحلة بحث مستمرة عن الإنسان
"أصابع الحنين".. أناشيد الحب والحرب
اختيار الفنان والسينمائي الفلسطيني الراحل محمد بكري رمزاً للثقافة العربية لعام 2026
هند جودة تقشر اللغة في "سقوط رداء الحرب"
"عين الزيتون".. روح مقاومة ومأساة لا تدوم
محمود شقير .. "أمي في زمن التحولات"