عبير أبو عرب تروي لـ "الحياة الجديدة" ذكرياتها مع والدها القائد أبو عمار في "دار الكرامة"

رام الله- الحياة الجديدة- عزيزة ظاهر- الجميع يعرف ياسر عرفات مناضلا وثائرا، وقائدا تاريخيا للثورة الفلسطينية، كما ويعرفه الكثيرون جدول حنان ومنارة رحمة، وهو يمارس أبوته كأعظم ما تكون الأبوة، حمل هموم كل الفلسطينيين كالأب الخائف على أبنائه، أحب الأطفال وأحبوه، احتضن أبناء الشهداء بكل ما يملك من حب وحنان وإنسانية، لا سيما أولئك الذين شردتهم الحروب والمجازر في لبنان، فقدوا عوائل بأكملها، فباتوا أيتام الوطن والأهل معا، فأطل عليهم قائدا بكوفية سمراء وزي عسكري بصورة الأب الحاني، احتضن 51 طفلا تحت سقف واحد في دار أطلق عليها اسم "دار الكرامة" وأطلق عليهم لقب "أبناء وبنات الصمود"، ومنحهم شرف ووسام حمل اسمه بالتبني، ودثرهم بجناحيه الكبيرين، غمرهم بالعطاء والحب والكرم اللامحدود، فكان لهم أبا حانيا، وقائدا وقدوة، يلاطفهم ويداريهم ويواسيهم ويكفكف دموعهم، يقدم لهم لقمة الطعام بأصابعه، وكوب الماء بيده، محاولا أن يبدد غمامة الحزن عن عيونهم وينتزع الابتسامة من شفاههم بأي ثمن.
عبير محمد رشيد أبو عرب واحدة من أبناء وبنات الصمود استشهدت أمها لبنانية الأصل وعمرها عام ونصف العام وبعد ثلاث سنوات استشهد والدها وعمها وجدها الذين ينحدرون من قرية في قضاء عكا في كمين صهيوني في بيروت في أواخر سبعينيات القرن الماضي، فاحتضنها القائد الراحل ياسر عرفات مع شقيقها قاسم في بيت الصمود ودار الكرامة.
تفتحت عيناها على الدنيا، لترى ياسر عرفات الوجه الأول الذي يحتضنها ويقبلها، بعد أن أمست يتيمة باستشهاد والديها وعائلتها، التي لا تعرف عنهم شيئا على الإطلاق، تقول في تصريح لـ "الحياة الجديدة"، افتخر بأنني ابنة ياسر عرفات، وأحمل اسمه، هذا الأب الذي جئت إلى العالم ولا أعرف أبا غيره، كلنا كنا أولاده ويعاملنا بكل الحب، لم نشعر أننا أيتام، كان ينام إلى جانبنا في تونس، في بيتنا بيت الكرامة، وكان يزورنا باستمرار وفي كل المناسبات، ويقضي رمضان والعيد معنا.
تتابع عبير بشغف وفخر: "كان أبو عمار كل حياتنا، وكنا أبناؤه ليس اسما فقط، بل كان يتحمل مسؤوليتنا جميعا، ولا يتوقف عن السؤال عنا للاطمئنان على حالنا، وحين نمرض على الفور يأتي لنا بالأدوية، أذكر أنه كان يأتي لتناول الإفطار معنا في رمضان ولم ينس يوما أن يقدم لنا العيدية، والهدايا المميزة كلما عاد من السفر.
وتستذكر أبو عرب كيف أحضر أبو عمار لهم الموز في الطيارة من جنوب أفريقيا كون الموز لم يكن متوفرا في تونس إلا لفترات محدودة، وما زالت تحتفظ بسلسلة من الذهب تعلق بها خريطة فلسطين أهداها إياها أبو عمار ولشقيقاتها من بنات الصمود في إحدى المناسبات.
وتتابع: رغم انشغاله كان يجد متسعا من الوقت ليستمع لطلباتنا واحتياجاتنا، لم نشعر للحظة بأنه رئيس، دومًا كنا نشعر أنه والدنا، يتعامل معنا بكل الحب والعطف، يصحبنا معه حين يسافر، كان يشاركنا كل الظروف ويقضي معنا الإجازة، وعند انشغاله يرسل لنا أحد الإخوة من مكتبه للاطمئنان علينا لكي لا ينقصنا شيء في غيابه، كان أبو عمار يعاملنا بحنان لا أعتقد أن ثمة أبا يمكن أن يعامل أبناءه به، كان يميزنا جيدا، يهتم بكل تفاصيل حياتنا، يركز على التعليم، ويحثنا عليه، وكان يسعى إلى ترفيهنا وتقويتنا في الوقت نفسه، فتارة ينظم لنا رحلات إلى أوروبا، وتارة يخرطنا في دورات عسكرية.
تحتفظ عبير بالكثير من الصور الفوتوغرافية التي تجمعها وإخوتها من أبناء وبنات الصمود مع الشهيد ياسر عرفات، ومع كل واحدة منها تسترجع ذكريات لن تنساها، لأنها وثقت أصدق اللحظات والمواقف العفوية مع الفدائي والقائد الشجاع، تستطرد عبير بالحديث ودموعها تسبق كلماتها، أبو عمار كان ولي أمري في عقد زواجي، طلب لي مهر جنيها فلسطينيا واحدا متقدم و10 آلاف جنيه فلسطيني متأخر، الجنيه الفلسطيني كان حلم أبو عمار، وحضر مراسم زفافي وتصور معي وقدم لي ولزوجي هدية زفافنا.
استوقفت الدموع عبير مرة أخرى عند الحديث عن خبر استشهاده، قائلة: شعرت باليتم الحقيقي بعد استشهاده، رفضنا فكرة أن يموت دون أن نتمكن من توديعه أو حتى الاطمئنان عليه كما كان يفعل معنا، فكان خبر موته صدمة لم نصدقها، لا حياة لنا بعد أبو عمار وكل شيء مات برحيله، فهو حالة إنسانية لن يكررها التاريخ.
مواضيع ذات صلة
عرابة: الاحتلال يواصل تجريف أراضِ لليوم الثالث
أم رمزي.. حكاية أم تطعم 50 فردًا بالصبر والعمل
كيسان.. قرية تواجه الاقتلاع والاستيطان
اقتصاد محاصر.. هل تنجح "يلا ع نابلس" في إنعاش سوق فقد 70% من نبضه؟
مجسم "الفاضلية" في طولكرم.. شعلة تروي حكاية العلم والصمود
تصعيد خطير في المسجد الأقصى: عشرات الآلاف يؤدون الجمعة ومحاولات متكررة لإدخال "القرابين الحيوانية"
لم يبق من الصحفي السمودي إلا صوته!