"قارب الموت" يكشف تفاصيل عصابة تهريب البشر في غزة
اتهامات لحماس بالتستر على المجرمين وتهديدات لصحفي نشر وثائق خطيرة

"ناجون" يتحدثون عن دور السفارة الفلسطينية في إنقاذ حياتهم وتوفير احتياجاتهم
غزة- (خاص الحياة الجديدة)- اتهم الإعلامي أحمد سعيد، الجهات الأمنية التابعة لحركة حماس في غزة، بالتقاعس عن محاسبة المسؤولين عن اقتحام منزله وانتهاك حرمته، وتهديده بالقتل، على خلفية نشره تحقيقاً صحافياً كشف فيه عن "مافيا" للاتجار بالبشر تعمل في فرنسا وبلجيكا وغزة، ومسؤولة عن مقتل خمسة فلسطينيين على شواطئ ليبيا فيما لا يزال عشرة آخرون في عداد المفقودين.
وانفجر سعيد غاضباً رغم مرور أيام على حادث اقتحام منزله، وتقاعس الجهات الأمنية التابعة لحركة حماس في غزة، عن حمايته وتحقيق العدالة، قائلا: "ثلاثة أفراد تهجموا على بيتي، واقتحموا حرمته، وأرعبوا عائلتي وأطفالي، وأنا أريد حقي، لماذا لا تعتقل حكومة حماس هؤلاء الذين هددوا حياتي، ولماذا التقاعس عن موضوع "مافيا" الاتجار بالبشر، التي راح ضحيتها شبان من غزة، ولماذا تقوم أجهزة حماس بالمماطلة في هذه القضية المصيرية".
وأضاف سعيد: "أُحمل رئيس حركة حماس في غزة يحيى السنوار المسؤولية الكاملة، فأنا أملك كافة الأدلة ومستعد لتسليمها له، ولدي براهين ووثائق وتسجيلات صوتية، للمسؤولين عن مقتل الشبان الخمسة، ونطالب بإنقاذ المفقودين في الأراضي الليبية، والإفراج عن المعتقلين والمختطفين على يد تلك العصابة الإجرامية".
واستنكر سعيد تجاهل المسؤول عن الإعلام الحكومي لدى حركة حماس في غزة، قائلا: "تواصل معي الجميع من نقابة صحفيين ووزراء في الحكومة الفلسطينية وقيادات من حركة فتح والجبهتين، فيما لا يزال مسؤول إعلام حماس يتجاهل اتصالاتي وطلبي للحماية من تلك العصابة التي تهدد حياتي"، مضيفا: "لدي الكثير من الكلام والاعترافات الخطيرة عن هوية المسؤول عن هذه العصابة الإجرامية، وكيف أنه مدعوم من جهات معينة في غزة، والأخطر من ذلك أنه غير مبال لموت الشباب ولا لحياة المفقودين".
ووجه سعيد أسئلة قاسية للجهات الأمنية التابعة لحركة حماس في غزة قائلا: "من يحمي هؤلاء المجرمين، ومن يريد أن يخرجهم من القضية بدون أي تهمة، ومن الذي يتستر عليهم، ولماذا هذا التجاهل الخطير لقضية رأي عام راح ضحيتها خمسة شبان؟".
وفي تفاصيل قضية الاتجار بالبشر التي كشف عنها الصحفي أحمد سعيد، حصلت "الحياة الجديدة" على التفاصيل الدقيقة لهذه القضية، والتقت شهود عيان كانوا على متن الرحلة التي غرقت قبالة الشواطئ الليبية وراح ضحيتها شباب من عائلة الشاعر ومقبل فيما لا يزال آخرون في عداد المفقودين.
وفي التفاصيل كما وثقتها "الحياة الجديدة"، فإن رجل أعمال يدعى "ع.أ" مقيم في فرنسا، وشقيقه "إ.أ" مقيم في بلجيكا، تواصلا بواسطة أحد الأطراف مع شباب من قطاع غزة، يعملون في مطاعم ويتقنون طهي كافة أنواع الطعام، بدعوى إقامة مطعم في باريس وأنهم بحاجة إلى حرفيين للعمل، وأن السفر سيكون بشكل رسمي وشامل جميع المصاريف مقابل التوقيع على تعهد مالي "كمبيالة" بقيمة عشرة آلاف دولار لكل فرد، وتوقيع عقد عمل لدى محامي في غزة.
واستغرقت وفق المصادر التي تحدثت إلى "الحياة الجديدة" إجراءات التعهدات المالية والعقود عدة أيام بعد إقناع الشٌبان بجدوى الهجرة والسفر للعمل في المطعم المنوي إنشاؤه في باريس، لتبدأ رحلة الموت لهؤلاء الشبان بعبور معبر رفح، والإقامة في جمهورية مصر العربية ٤٠ يوما، تمهيدا لنقلهم إلى مطار الإسكندرية ومنها إلى مدينة بنغازي الليبية بشكل رسمي وبتنسيق أمني.
الخطورة وتهديد حياة الشبان بدأت مع مغادرتهم مدينة بنغازي باتجاه مدينة مصراته بصورة غير شرعية، مع مواجهة الكثير من المخاطر تمهيدا لنقله بواسطة بواخر نقل تجارية إلى إيطاليا ومنها إلى فرنسا كما وعدهم "ع.أ" صاحب فكرة الهجرة وإنشاء المطعم في فرنسا وشقيقه المقيم في بلجيكا".
استقر الشبان الفلسطينيين في مدينة مصراته الليبية داخل أحد المخازن وتحت حراسة وتهديد السلاح، وبوصاية من أحد أقارب "ع.أ" ويدعى "و.أ"، لمدة ثلاثة أشهر ليتم بعد ذلك تجهيزهم للصعود إلى أحد المراكب المائية في الثامن عشر من آب الماضي برفقة ٥٨ شخصا تحت تهديد السلاح، والاعتداء على كل من حاول الاعتراض وتهديده بالحبس لو حاول العودة إلى قطاع غزة".
ووفقا لما نقل ناجون لـ "الحياة الجديدة" فإن الرحلة البحرية الأولى من مدينة مصراتة كانت تحت تهديد السلاح، واستمرت عشر ساعات داخل البحر إلى أن تم تعطيل المحرك بصورة متعمدة، وكان جميع الركاب معرضين للغرق، إلى أن تم إنقاذهم من قبل خفر السواحل الليبي ونقلهم إلى أحد السجون في مدينة طرابلس الليبية.
وأكد الناجون أن جهودا كبيرة بذلتها السفارة الفلسطينية في ليبيا للإفراج عن الشبان المعتقلين، وتكللت الجهود بالنجاح بعد ١٤ يوما، حيث قرر بعضهم العودة إلى قطاع غزة رغم التهديدات التي أرسلها لهم "ع.أ" المقيم في فرنسا، فيما خضع آخرون للتهديدات وقرروا الاستمرار في محاولة الهجرة، وتم اختطافهم على يد عصابة مجهولة ليتم تحريرهم بعد أن دفعوا فدية مالية تقدر بألف دولار عن كل فرد، ليتم نقلهم بعد ذلك إلى قارب الموت الذي أنهى حياة خمسة منهم فيما لا يزال عشرة آخرون في عداد المفقودين.
وكشف الصحفي أحمد سعيد هوية المحامي الذي وثق العقود غير القانونية مع الشباب المهاجرين، وتساءل عن قانونية ما قام به المحامي وهل كانت المرة الأولى أم هناك عقود أخرى سابقة ولاحقة تم توثيقها مع شبان هاجروا أو يفكرون في الهجرة.
وردا على تساؤلات سعيد أكد المحامي أحمد المصري رئيس لجنة شكاوي في نقابة المحامين أن أي طرف متضرر يمكنه تقديم شكوى للنقابة بشكل رسمي وسيتم البحث الجدي في الشكوى، داعيا جميع المتضررين للتواصل مع النقابة.
وقال المصري: "إذا كان هناك أي تجاوز لدى المحامي سيتم اتخاذ قرار مناسب فيه، نحن في نقابة المحامين معنيون بالوصول إلى الحقيقة وحماية هؤلاء الشباب الموجودين حاليا في ليبيا".
وطالب الصحفي سعيد بمحاسبة كل من قام بمساعدة هذه العصابة في غزة، ومن قام بإقناع الشبان بالسفر والكشف عن العمولة التي حصل عليها هؤلاء وكيف خرجوا عبر معبر رفح، وكيف تم الإفراج عنهم في ليبيا بعد اختطافهم ودفع الفدية المالية.
وحصلت "الحياة الجديدة" على شهادات حية لاثنين من الشبان الناجين الذين كانوا على متن الرحلة الأولى التي تم إنقاذها بواسطة خفر السواحل الليبي، وتمكنا من العودة إلى قطاع غزة بالرغم من التهديدات التي تلقوها من قبل العصابة الإجرامية.
الشاب عبد القادر الكرد روى ما حدث معه في رحلة الموت قائلا: "عدت إلى قطاع غزة قبل شهر ونصف الشهر، وكنت مع هؤلاء الشباب الذين غرق جزء منهم فيما لا يزال آخرون في عداد المفقودين"، مضيفا: "تواصل معي "ع.أ" من خلال صفحتي على الفيسبوك التي أنشر بها كل ما أقوم بصناعته من طعام، وأبلغني أنه يعتزم افتتاح مطعم في فرنسا، ويرغب في أن أكون أحد العاملين فيه، وأن الهجرة ستكون شرعية دون أي ضرر بعد توقيعي على عقد العمل والتعهد المالي".
ويُضيف الكرد:" اتفق "ع.أ" مع ثمانية طباخين للشاورما والحلويات والأكل الشرقي والغربي، إضافة إلى عمال مواد بناء، وتم عمل تنسيق لنا لعبور معبر رفح، ومكثنا في مصر حوالي ٤٠ يوما، إلى أن توجهنا من مطار الإسكندرية إلى بنغازي ومنها تهريب إلى مصراتة الليبية". وأضاف الكرد: "مكثنا في ليبيا ما يقارب الخمسة أشهر، ولاقينا كل أنواع العذاب والخوف والتهديد، لكن بعد ضغط من عائلتي وأقاربي، قررت العودة مهما كلفني الأمر بالرغم من التهديد والوعيد والمخاطر التي قد أواجهها".
الشاب الثاني شادي فطاير وهو الناجي من غرق القارب في رحلته الأولى، ذكر تفاصيل مروعة لحالة الرعب والضغط التي تعرض لها الشبان قائلا: "في مصراتة تم احتجازنا في مخزن مساحته لا تزيد على مترين، وكنا تحت تهديد السلاح، وتم الاعتداء على بعض الشبان بالضرب المبرح من قبل مسلحين كانوا يحرسون المخزن".
وبعد أكثر من أسبوعين في المخزن يقول فطاير: "تم نقلنا إلى فيلا قريبة من الشاطئ، ومكثنا فيها عشرة أيام، إلى أن أبلغنا المهرب باقتراب موعد السفر عبر البحر، وكنا تقريبا ٣١ مصريا، و٢٥ فلسطينيا، وجلسنا على الشاطئ بانتظار المركب الذي سينقلنا إلى الأراضي الليبية".
ويضيف فطاير: "عندما شاهدنا المركب الذي سينقلنا إلى إيطاليا، حاولنا الاعتراض وعدم الصعود لأنه صغير ومهترئ، ولكن تم تهديدنا بالقتل، وإجبارنا على الصعود إلى المركب، الذي استمر في الإبحار حوالي ١١ ساعة إلى حين أخبرنا صاحبه بوجود عطل في الماتور وكنا معرضين للموت جميعا داخل البحر".
ويصف فطاير المشهد بعد توقف المركب في عرض البحر بأنه مرعب حتى أن الكثير من الشبان تعرضوا للحروق نتيجة اشتعال جالونات البنزين التي كانت على متن المركب، ليتم بعد ذلك إنقاذنا من قبل باخرة ليبية، وبمجرد أن صعدنا إليها حتى قام صاحب المركب بتشغيله ما يعني أن العطل كان متعمدا.
وأوضح فطاير أن منظمات إنسانية كانت بانتظارهم على الشاطئ الليبي بمجرد وصولهم حتى تم فرزهم حسب الجنسية وحصلوا على بعض الأدوية فيما نقل المصابون إلى المستشفى لتلقي العلاج ونقل الآخرون إلى أحد السجون في مدينة طرابلس الليبية".
ويروي فطاير معاناة السجن حيث إنهم مكثوا ما يقارب الـ١٤ يوما إلى أن تواصل ذووهم مع السفارة الفلسطينية التي بذلت جهودا كبيرة لتوفير الاحتياجات اللازمة للمعتقلين والإفراج عنهم وترتيب سفر من يرغب في العودة إلى قطاع غزة.
وأكد فطاير أن طاقم السفارة الفلسطينية حضر إلى السجن في طرابلس، واتفق مع إدارة السجن على ترحيلنا لغزة، وتحادثنا مع السفير الفلسطيني وهاتفنا أيضا أحد قادة حركة فتح في قطاع غزة حول ضرورة إحضار بعض الاحتياجات مثل ملابس وطعام وبعض المصاريف الخاصة بنا، وتم توفير كل ما طلبوه، وأضاف: "السفارة الفلسطينية أحضرت لنا كل ما طلبناه ونحتاجه في السجن، وبذلوا جهودا كبيرة للإفراج عنا".
وأوضح أن آخر لقاء كان لهم مع مسؤول حركة فتح في طرابلس، الذي أخبرهم بقرار الإفراج عنهم، ليتم ذلك بالفعل ويخرجوننا على مجموعات صغيرة، حيث قرر هو العودة إلى قطاع غزة، فيما قرر آخرون التوجه مرة أخرى إلى مصراتة ليقلوا حتفهم وما زال آخرون في عداد المفقودين.
ووفقا لمصادر فلسطينية رسمية فقد أصدر وزير الخارجية والمغتربين رياض المالكي في حينه تعليماته لسفارة دولة فلسطين لدى الجمهورية التونسية بضرورة التحرك الفوري لمتابعة تفاصيل هذه الحادثة المؤلمة، وعليه أرسل سفير دولة فلسطين لدى تونس هائل الفاهوم فريقا من السفارة توجه مباشرة إلى مدينة جرجيس في الجنوب التونسي، للاطلاع بشكل مباشر على مجريات الأحداث بعد حادث غرق القارب الذي يحمل مواطنين من قطاع غزة".
مواضيع ذات صلة
عرابة: الاحتلال يواصل تجريف أراضِ لليوم الثالث
أم رمزي.. حكاية أم تطعم 50 فردًا بالصبر والعمل
كيسان.. قرية تواجه الاقتلاع والاستيطان
اقتصاد محاصر.. هل تنجح "يلا ع نابلس" في إنعاش سوق فقد 70% من نبضه؟
مجسم "الفاضلية" في طولكرم.. شعلة تروي حكاية العلم والصمود
تصعيد خطير في المسجد الأقصى: عشرات الآلاف يؤدون الجمعة ومحاولات متكررة لإدخال "القرابين الحيوانية"
لم يبق من الصحفي السمودي إلا صوته!